في الوقت الذي كان دور النبي صلى
الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة كقائد إلهي يتبنى دعوة الناس
وهدايتهم وارشادهم، الا أن هذا الدور كبر وتمرحل كثيرا في المدينة
المنورة، حيث بدأ بعد استقراراه فيها بتولي الزعامة السياسية ذات
الصبغة الدينية بل والروحية على كافة المسلمين خصوصا خلال إقامته
لمجتمعه المدني الجديد (المدني هنا من المدينة التي تغاير
البادية)، ومن ذلك تعليماته السياسية والاجتماعية والعسكرية في
أحيان ما.
وما أن استتب الأمر لرسول الله
صلى الله عليه واله بُعيد صلح الحديبية الذي منح الديناميكية
للحراك النبوي ـــ باعتبار أنه ميّع محور الشر القادم من الجنوب
حيث قريش ـــ حتى بدأ في تفويج سفراءه الى العواصم العالمية،
ليعرضوا عليهم الدعوة النبوية التي اتسمت بمحتوى إنساني وأبعاد
أخلاقية وقيمية، وكان هذا نوع من السيادة لحكومته ودولته
الفتية.
وعلى الرغم من كون دعوة
النبي محمد صلى الله عليه واله لقادة الدول وملوكها واكاسرتها
واباطرتها فضلا عن زعماء القبائل العربية خارج حدود الجزيرة
العربية، اشبه بالدعوة التعريفية للدين الإسلامي، إلا إنها احتوت
هي الأخرى على جملة مقررات تساوي ما يسمى اليوم بالمواثيق والعهود
الدولية، وأجمل ما فيها أنها كانت متسقة مع الطرح الحضاري للدين
الإسلامي كونها توسلت بوسائل الدعوة بالحسنى والمحاججة المنطقية
البعيدة عن أساليب الإكراه والقهر، وهو ما سيكون مستقبلا الداعي
الحقيق لانتشار الدين الإسلامي.
وتّسيد الإسلام الناس وفرض عليهم
سطوته الأدبية وسياته السامية، سيما أولئك المقهورين منهم، من
خلال اساليبه الإنسانية الراقية، بما فرضه عليهم وحمله لهم من قيم
ومبادئ، خصوصا تلك التي تناغم احتياجهم الإنساني كتعايشه ـــ
الإسلام ـــ مع المُختلف تعايشا إنسانيا، فضلا عن توسله بوسائل
الدعوة الحسنة ودبلوماسية الطرح مما سنذكر نتفا عنها.
الانفتاح على
الأخرين
يؤسس الدين الإسلامي الى حقيقة
اجتماعية تحتمها فلسفة الخلق والإنشاء، وهي ان التنوع هو الأصل في
أي تجمع بشري ومجتمعي، حتى باتت هذه الحقيقة مسلّمة تفرض نفسها في
أي قصد مما يقصده الإسلام على صعيد تشريعاته الفقهية والمجتمعية،
وبالضرورة فأن أي حالة بالضد من هذه الحقيقة ـــ التعايش مع الأخر
ـــ إنما هي مما هُجّن به الإسلام وليس منه، باعتبار الأصل بفرضية
التعايش إنما تقوم على كون الأخر إما اخ وصنو في الانتماء العقدي
والسيسيولوجي أو على الأقل التناظر في الخلق، وأمثولة هذا التأسيس
للتعايش حسب قاعدة التقوى والعدل واخلاقيات أخرى بعيدا عن أي
انتماء اخر، ما جاء بالدستور الإسلامي ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ
عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ))(الممتحنة
ـــ8)، ((لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ
آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ
يَسْتَكْبِرُونَ)) (المائدة ـــ 82)، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(الحجرات ـــ
13).
وبذلك فأن القرآن الكريم قد أسس
للتعامل مع اهل الكتاب بل وكل من يعيش في كنف المسلمين خصوصا في
دولتهم الأولى في المدنية المنورة، واستوعب المختلفين معه بل ووفر
لهم الحماية والرعاية، وهذا دليل أخر على عظمة هذا الدين واتساع
أفقه.
رجوع
السيادة الإسلامية في المدينة المنورة
2022/1/9
962 مشاهدة
في الوقت الذي كان دور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة كقائد إلهي يتبنى دعوة الناس وهدايتهم وارشادهم، الا أن هذا الدور كبر وتمرحل كثيرا في المدينة المنورة، حيث بدأ بعد استقراراه فيها بتولي الزعامة السياسية ذات الصبغة الدينية بل والروحية على كافة المسلمين خصوصا خلال إقامته لمجتمعه المدني...