الشيخ مصطفى الهجري
يعيش الإنسان المعاصر حالةً من التناقض؛ فبرغم التقدّم المادي الهائل، يشعر كثيرون بفراغ داخلي عميق، كأنّ أرواحهم عطشى إلى معنى مفقود. هذه الحالة التي يمكن تسميتها بـ"الفراغ الروحي" أو "الجفاف القلبي" لا تقتصر على فئة دون أخرى، غير أنّ الشباب قد يكونون أكثر عرضة لها بسبب كثرة المغريات وضغوط الحياة وتسارع إيقاعها. فالإنسان بطبيعته يتطلّع إلى علاقة حيّة مع الله تعالى، لكن هذه العلاقة قد تضعف حين تتكاثر الحجب وتشتدّ الغفلة.
مظاهر الفراغ الروحي
للجفاف الروحي علامات يمكن ملاحظتها في السلوك اليومي. من أبرزها أداء العبادات بلا روح، كالصلاة التي تتحوّل إلى حركاتٍ مجرّدة من الخشوع. وقد وصف القرآن حال من يقوم إلى الصلاة بلا حضور قلب بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. إنّ الصلاة التي لا تُحدث أثراً في القلب مؤشر على خلل في الصلة بالله.
ومن المظاهر كذلك اللامبالاة تجاه المواعظ والتذكير بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]. فحين يصبح الذكر عبئاً ثقيلاً، وتغدو النصيحة أمراً مملاً، يكون القلب قد دخل في دائرة الغفلة.
ويظهر الجفاف أيضاً في تلاوة القرآن بلا تدبّر، بينما وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]. فالقلب الحيّ يتفاعل مع آيات الله، أما القلب القاسي فلا تهزّه الكلمة ولا تؤثر فيه الموعظة.
ومن أخطر العلامات قسوة القلب أمام مشاهد الموت والمصائب، مع أنّها بطبيعتها توقظ الوجدان. وقد عبّر الإمام علي (عليه السلام) عن حقيقة القبر بقوله: «مهما زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسدّ فرجها التراب المتراكم» (نهج البلاغة، ج3، ص71)، في تذكيرٍ بأنّ النهاية واحدة مهما طال الأمل.
أسباب الفراغ الروحي
تتعدّد أسباب هذه الظاهرة، لكن من أهمّها الانغماس في الدنيا وارتكاب المعاصي. فالذنب ليس فعلاً عابراً، بل يترك أثراً متراكماً على القلب. قال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء... فإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض» (الكافي، ج2، ص273). وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
ومن الأسباب كذلك الإفراط في الشهوات، حتى في المباح منها. فقد قال النبي (صلى الله عليه واله): «لا تميتوا قلوبكم بكثرة الطعام والشراب فإن القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليها الماء» (مكارم الأخلاق، ص150). كما قال الإمام علي (عليه السلام): «إياكم والبطنة فإنها مقساة للقلب مكسلة عن الصلاة» (عيون الحكم والمواعظ، ص101).
ولا يقلّ خطراً عن ذلك الانحراف الفكري والغفلة المتراكمة، التي تجعل الإنسان ينسى الله فينسى نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19].
خطوات العلاج
علاج الفراغ الروحي يحتاج إلى منهج متكامل يقوم على ثلاث ركائز: محاسبة النفس، وإيقاظها بالموعظة، ثم تغذيتها بالعبادة.
محاسبة النفس
المحاسبة الصادقة بداية الإصلاح. قال رسول الله (صلى الله عليه واله): «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا» (وسائل الشيعة، ج16، ص99). وقال الإمام علي (عليه السلام): «من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر» (نهج البلاغة، ج4، ص47). فالمراجعة اليومية تكشف العيوب وتمنع تراكمها، وتكسر غرور النفس التي تميل إلى تزيين أخطائها، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8].
المواعظ المنعشة
بعد اكتشاف الداء، يحتاج القلب إلى جرعات إيمانية توقظه. قد تكون آية واحدة كفيلة بإحداث تحوّل جذري، كما حصل للفضيل بن عياض حين سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16]، فكانت سبب توبته (تاريخ مدينة دمشق، ج48، ص382). والموعظة لا تقتصر على الكلمات؛ فزيارة المقابر وتذكّر الموت من أعظم ما يلين القلب، وقد قال النبي (صلى الله عليه واله): «أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات» (وسائل الشيعة، ج2، ص437).
البرنامج الروحي المتكامل
التحلية تأتي عبر الالتزام بمنظومة العبادات التي شرعها الإسلام، من صلوات يومية، وصيام، وذكر، ودعاء. وقد ورد في الحديث: «الصلاة خير موضوع، من شاء استقلّ ومن شاء استكثر» (بحار الأنوار، ج79، ص309). كما يشكّل المسجد مركز إشعاع روحي وتربوي، حيث قال الإمام علي (عليه السلام): «من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان...» (أمالي الصدوق، ص474)، في إشارة إلى ما يحمله المسجد من بركات علمية وروحية.
ويظلّ الدعاء الباب الأوسع للتواصل مع الله، كما في دعاء كميل: «أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة» (بحار الأنوار، ج84).
إنّ الفراغ الروحي ليس قدراً محتوماً، بل حالة قابلة للعلاج متى وعى الإنسان أسبابها وسلك طريق الإصلاح. وقد لخّص الإمام الحسين (عليه السلام) الموعظة الجامعة بقوله لمن طلب النصيحة: «لا تأكل رزق الله وأذنب ما شئت... واطلب موضعاً لا يراك الله وأذنب ما شئت...» (بحار الأنوار، ج75، ص126). وهي كلمات توقظ الضمير وتعيد الإنسان إلى حقيقته: أنّه عبدٌ لا يستغني عن ربّه.
فإذا التزم الإنسان بالمحاسبة، وتزوّد بالموعظة، وواظب على العبادة بروحٍ حاضرة، عاد قلبه حيّاً نابضاً بالإيمان، وزال عنه ذلك الجفاف الذي يحجب نور الله.