الشيخ مصطفى الهجري
يمضي الإنسان عمره كله وهو يركض خلف ما هو خارج عن ذاته: مأكل يشتهيه، مشرب يرويه، مسكن يؤويه، زواج يكمله. يستيقظ كل صباح ليواصل المسيرة ذاتها، في دوامة لا تنتهي من السعي والكدح. لكن في خضم هذا اللهاث المحموم، يغيب عنه سؤال جوهري: هل هذا هو الهدف الحقيقي من وجوده؟ هل خُلق الإنسان ليكون عبداً لحاجاته المادية، أم أن هناك غاية أسمى وأعمق تنتظر من يكتشفها؟
إن التشتت الذي نعيشه في زحمة الحياة، واللهث المتواصل خلف تأمين احتياجاتنا، قد أضلنا الطريق وأنسانا جوهر وجودنا. لقد صرنا كالسائر في صحراء لا يرى إلا السراب، يظنه ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئاً.
القرآن الكريم لا يترك هذه القضية المصيرية دون توضيح. بل إنه يعتبر هذا النمط من الحياة - اللهث خلف المادة مع نسيان النفس - عقوبة إلهية يُعاقب بها الإنسان حين ينسى ربه. يقول الله تعالى في محكم كتابه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الحشر: 18-19
في هذه الآيات الكريمة، يحذر الله المؤمنين من أمرين خطيرين: الأول، ترك التقوى والغفلة عن محاسبة النفس. والثاني، الوقوع في فخ أولئك الذين نسوا الله، فكانت العقوبة أن رسخ فيهم التوجه المادي حتى أُنسوا أنفسهم تماماً. إنها معادلة قرآنية واضحة: نسيان الله يؤدي إلى نسيان الذات، والنتيجة هي الخسران المبين.
ويزداد التصوير القرآني وضوحاً في آية أخرى تصف حال من انغمس في شهواته ولهث خلف ملذاته:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الأعراف: 176
هذا التشبيه البليغ يكشف حقيقة مروعة: إن اتباع الهوى والانشغال بالملذات يجعل الإنسان في حالة لهاث دائم، كالكلب الذي يدلي لسانه من التعب سواء حُمل عليه أو تُرك. إنه اللهاث الذي لا ينتهي، والعطش الذي لا يرتوي.
ولأن معرفة النفس بهذه الأهمية، جعل الله سبحانه وتعالى الآيات الأنفسية دليلاً عليه، مساوية للآيات الكونية في الآفاق: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
فصلت: 53
فالنفس الإنسانية بما فيها من عجائب وأسرار، بما تحمله من قدرات واستعدادات، هي آية من آيات الله الدالة على عظمته وحكمته. وقد أدرك أمير المؤمنين علي عليه السلام هذه الحقيقة فقال: «المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين» غرر الحكم.
ووفق هذا الفهم العميق، نستوعب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ المائدة: 105
فالمسؤولية الأولى للإنسان هي نفسه. عليه أن يعتني بها، يصلحها، يزكيها، ويرتقي بها نحو الكمال.
وقد جاءت الأحاديث الشريفة لتؤكد هذه الحقيقة وتضع النقاط على الحروف:
«عجبت لمن ينشد ضالته وقد أضل نفسه فلا يطلبها»
أي عجب أكبر من هذا! الإنسان يبحث عما ضاع منه من متاع الدنيا، لكنه لا يبحث عن أعظم ما فقده: نفسه، جوهره، حقيقة وجوده.
«نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس»
فالفوز الحقيقي ليس في جمع المال أو الحصول على المناصب، بل في معرفة النفس وما تحمله من إمكانيات عظيمة.
«كلما ازداد علم الرجل زادت عنايته بنفسه وبذل في رياضتها وصلاحها جهده»
هذا الحديث يكشف عن علاقة طردية واضحة: كلما ازداد الإنسان علماً ومعرفة، كلما أدرك أهمية الاعتناء بنفسه وتهذيبها.