ينشأ المولود ـ في الوضع الطبيعي ـ
بين أبوين صلبيين، وربما أسرة تتكون منهما وباقي الأخوة،
يرعانه ويتناوبان على مسؤوليته، ريثما يشتد عوده ويتقوى على القيام
بما يحتاجه، فيتعلم منهما ـ وبشكل تدريجي ـ فنون التكيف مع الحياة
ومغالبة صعوباتها، خصوصا وأن الفطرة السليمة التي جُبلا عليها ـ
الولدان ـ تدفعهما لرعايته ومراقبته بل وايثاره على أنفسهما،
فتراهما يقدمانه على انفسهما فيما يأكلان او يشربان، وفيما يحتاجان،
فضلا عن سهرهما لتلبية احتياجاته وتوظيف متطلباته بما يصعب على
غيرهما تحقيقها، فيكون ذلك من أهم طرق تربية الصغير وتدريبه على
صعوبات الحياة ومعتركاتها، بتسهيلها عليه، وترويضه عليها، وهي
حقيقة لازمة للمخلوق الأدمي، بل وفي غيره من المخلوقات الحية
كالطيور والحيوانات مما يمكن ملاحظته بكثرة
واستمرار.
وقد تشاء الإرادة الإلهية موت أحد والدي الصغير أو كلاهما، فيصير بذلك يتيما، ويكون اليتيم كذلك، إذا ما توفى أحد أو كلا والديه قبل بلوغه، وهو المقصود من حديثنا، وإن قصد العرب بلفظة اليتيم من فقد اباه دون أمه في حين يطلقون ذلك ـ اليتيم ـ على الحيوانات مما فقد أمه، على اعتبار إن الأم في عالم الحيوان هي من يقوم بجميع واجبات صغيرها ورعايته وتنشئته، على العكس من الأب في هذا عالم الحيوان في الأغلب الأعم.
وقد يقصد اللغويون باليتم معانٍ كثيرة كالإبطاء والهم والحاجة والانفراد، فإذا ما قيل هذا عمل يتيم، إنما يراد به بأن ليس له شبيه، وإذا قيل بـ "أن تلك القلادة يتيمة" فيراد بذلك إن ليس لها نظيرا، وربما قصدوا من قولهم بأن "المريض يتيم الدواء"، فأنهم يقصدون حاجته الضرورية اليه، وقد يقصدون به معنى الإبطاء والتأخر، كأن يقال، "أيتم زيد العوز"، أي أن الغنى أبطا عنه وتأخر عليه.
وأصعب اليتم هو فقدان الأب، لأنه يترك فراغا لا يعوض، خصوصا اذا ما كانت الأم ضعيفة وأكثر ميلا للعاطفة دون القوة التي يمكن أن يُبني بها صغيرها وتشد بها عوده وتقوي إرادته.
ومما يلازم اليتيم وهو صغيرا، جملة هواجس ومشاعر، لا يمكن الشعور بها ممن لم يكون كذلك، كشعور البعض منهم بالنقص العاطفي او الفراغ الوجداني، فينشأ اليتيم في الغالب محتاجا لتعويض منطقة النقصان في المشاعر هذه، ويكون ميالا لطلب ذلك وأن لم يكن بلسانه، إنما بلسان حاله، ولم يكن هذا مجرد شعورا متخيلا إنما هو شعور ملح خصوصا بعدما يرى اقرانه ممن يتمتعون بوجود الوالدين وينعمون بظلالهما الوارفة.
وبغية معالجة هذا الشعور المؤلم، أسس القرآن الكريم لمنظومة من القيم الخاصة باليتم، والتي يدعو من خلالها المجتمع الإسلامي لتبني حالة اليتيم وأحاطته بالعناية الخاصة والتربية المخصوصة، كتعويض له عما فقده، كي يكون عنصرا بناءا في مجتمعه.
وعلى الرغم من صعوبة ما يشعر به اليتيم، إلا أن ذلك لا يكون بالضرورة مدعاة لضعف شخصيته او وهن اراداته، بل على العكس تماما، فقد اثبت التجارب الحياتية بأن الكثير من العظماء ممن نالوا اعلى المراتب الاجتماعية، كانوا من شريحة الأيتام، خصوصا بعد تدخل العناية واللطف الإلهيين، ومن هؤلاء العظماء، أنبياء الله الين آمنوا بقضاء الله وقدره؛ وسعوا في ترويض انفسهم وعروجاتها في مدارج الكمال، حتى صاروا أهلا للاصطفاء والاجتباء كما هو الحال مع نبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله، الذي عُني بعناية الهية خاصة تبينها الآية الشريفة : ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ))(سورة الضحى ـ 6) حتى صار أفضل الخلق اطلاقا، وأعزهم على الله وأحبهم إليه، بعدما سخر الله سبحانه له جده عبدالمطلب، ومن ثم عمه أبي طالب رضوان الله تعالى عليهما في خدمته ورعايته، كونه كان يتيم الأب (توفى الله والده عبد الله بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليهما وهو في بطن أمه)، ثم توفى أمه السيدة آمنة رضوان الله تعالى عليه وهو في السادسة من عمره الشريف ليصير بكفالة عمه وجده رضوان الله تعالى عليهما.
ونفس الأمر بالنسبة لنبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام، بعد أن توفي والده وعاش بكنف عمه آزر، حتى صار عليه الصلاة والسلام خليلا لله سبحانه وتعالى، ونفس الأمر صار مع النبي عيسى عليه الصلاة والسلام يوم ولد من غير أب، إلا أن العناية الإلهية التي اقتضت معجزة كهذه، احاطته بالحنو وصيرت منه نبيا عظيما.
وهو ما يجعلنا أن لا ننظر لليتم على انه منقصة او عقوبة، وحاشا لله ذلك، إنما هو قدر وقضاء يقضى وفقا لمشيئة الله الرحمن الرحيم، وقد يكون ذلك بابا من ابواب لطفه جل وعلا، التي تصير من اليتيم عظيما، كما بيناه في آنف الأمثلة.
زيد خلف
وقد تشاء الإرادة الإلهية موت أحد والدي الصغير أو كلاهما، فيصير بذلك يتيما، ويكون اليتيم كذلك، إذا ما توفى أحد أو كلا والديه قبل بلوغه، وهو المقصود من حديثنا، وإن قصد العرب بلفظة اليتيم من فقد اباه دون أمه في حين يطلقون ذلك ـ اليتيم ـ على الحيوانات مما فقد أمه، على اعتبار إن الأم في عالم الحيوان هي من يقوم بجميع واجبات صغيرها ورعايته وتنشئته، على العكس من الأب في هذا عالم الحيوان في الأغلب الأعم.
وقد يقصد اللغويون باليتم معانٍ كثيرة كالإبطاء والهم والحاجة والانفراد، فإذا ما قيل هذا عمل يتيم، إنما يراد به بأن ليس له شبيه، وإذا قيل بـ "أن تلك القلادة يتيمة" فيراد بذلك إن ليس لها نظيرا، وربما قصدوا من قولهم بأن "المريض يتيم الدواء"، فأنهم يقصدون حاجته الضرورية اليه، وقد يقصدون به معنى الإبطاء والتأخر، كأن يقال، "أيتم زيد العوز"، أي أن الغنى أبطا عنه وتأخر عليه.
وأصعب اليتم هو فقدان الأب، لأنه يترك فراغا لا يعوض، خصوصا اذا ما كانت الأم ضعيفة وأكثر ميلا للعاطفة دون القوة التي يمكن أن يُبني بها صغيرها وتشد بها عوده وتقوي إرادته.
ومما يلازم اليتيم وهو صغيرا، جملة هواجس ومشاعر، لا يمكن الشعور بها ممن لم يكون كذلك، كشعور البعض منهم بالنقص العاطفي او الفراغ الوجداني، فينشأ اليتيم في الغالب محتاجا لتعويض منطقة النقصان في المشاعر هذه، ويكون ميالا لطلب ذلك وأن لم يكن بلسانه، إنما بلسان حاله، ولم يكن هذا مجرد شعورا متخيلا إنما هو شعور ملح خصوصا بعدما يرى اقرانه ممن يتمتعون بوجود الوالدين وينعمون بظلالهما الوارفة.
وبغية معالجة هذا الشعور المؤلم، أسس القرآن الكريم لمنظومة من القيم الخاصة باليتم، والتي يدعو من خلالها المجتمع الإسلامي لتبني حالة اليتيم وأحاطته بالعناية الخاصة والتربية المخصوصة، كتعويض له عما فقده، كي يكون عنصرا بناءا في مجتمعه.
وعلى الرغم من صعوبة ما يشعر به اليتيم، إلا أن ذلك لا يكون بالضرورة مدعاة لضعف شخصيته او وهن اراداته، بل على العكس تماما، فقد اثبت التجارب الحياتية بأن الكثير من العظماء ممن نالوا اعلى المراتب الاجتماعية، كانوا من شريحة الأيتام، خصوصا بعد تدخل العناية واللطف الإلهيين، ومن هؤلاء العظماء، أنبياء الله الين آمنوا بقضاء الله وقدره؛ وسعوا في ترويض انفسهم وعروجاتها في مدارج الكمال، حتى صاروا أهلا للاصطفاء والاجتباء كما هو الحال مع نبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله، الذي عُني بعناية الهية خاصة تبينها الآية الشريفة : ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ))(سورة الضحى ـ 6) حتى صار أفضل الخلق اطلاقا، وأعزهم على الله وأحبهم إليه، بعدما سخر الله سبحانه له جده عبدالمطلب، ومن ثم عمه أبي طالب رضوان الله تعالى عليهما في خدمته ورعايته، كونه كان يتيم الأب (توفى الله والده عبد الله بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليهما وهو في بطن أمه)، ثم توفى أمه السيدة آمنة رضوان الله تعالى عليه وهو في السادسة من عمره الشريف ليصير بكفالة عمه وجده رضوان الله تعالى عليهما.
ونفس الأمر بالنسبة لنبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام، بعد أن توفي والده وعاش بكنف عمه آزر، حتى صار عليه الصلاة والسلام خليلا لله سبحانه وتعالى، ونفس الأمر صار مع النبي عيسى عليه الصلاة والسلام يوم ولد من غير أب، إلا أن العناية الإلهية التي اقتضت معجزة كهذه، احاطته بالحنو وصيرت منه نبيا عظيما.
وهو ما يجعلنا أن لا ننظر لليتم على انه منقصة او عقوبة، وحاشا لله ذلك، إنما هو قدر وقضاء يقضى وفقا لمشيئة الله الرحمن الرحيم، وقد يكون ذلك بابا من ابواب لطفه جل وعلا، التي تصير من اليتيم عظيما، كما بيناه في آنف الأمثلة.
زيد خلف