أولى الإسلام المساحات الرخوة في
تركيبة المجتمع، اهتماما خاصا، وراح يعالج ما يمكن ان يؤثر على
التماسك المجتمعي بما أوتي من سبل علاجية، ومن هذه المساحات هي
مساحة اليتم، واليتيم في المنظور الإسلامي هو كل من مات أبوه قبل أن
يصل الى سن التكليف.
ولم يكتفى الإسلام بالنظر لكون اليتيم هو المنطقة الاجتماعية الرخوة، بل أمعن في النظر اليه على أنه ممن يستحق المعالجة لأنه إنسان، وجودا اعتباريا مهما، وهو ما يجعله في حاجة لمن يعوضه ما فقد، ليس على الصعيد المادي وحسب، بل حتى على الصعيد الوجداني والعاطفي، فضلا عن التربوي وما الى ذلك.
ووفقا لذلك، فقد اهتم الإسلام ـ قرآنيا وعصمويا ـ باليتيم، حيث أورد القرآن الكريم أكثر من عشرين آية تتبنى موضوعته بالمعالجة والاهتمام، ناهيك عما ورد من أقوال للمعصمين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم في ذلك.
ومما ورد في حق اليتيم قرآنيا، قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ))(سورة الأنعام ـ 152)، وقوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ))(سورة البقرة ـ 83)، وقوله تعالى: ((وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً))(سورة الأسراء ـ 34)، وقوله تعالى: ((مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))(سورة الحشر ـ 7)، وقوله تعالى: ((وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا))(سورة الكهف ـ 82)، وقوله تعالى: ((فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)(سورة البلد ـ 11 ـ 18).
وأبعد من ذلك، فقد أسس القرآن الكريم لمسؤولية مجتمعية تضامنية مع الأيتام، ووفقا لذلك، كان خطابه عاما، وليس موجها لمن يعنى باليتيم من جهة القرابة وحسب، حيث شمل الأيتام مع أصناف اخرى، فيما يحق لهم من حقوق حتى مما تكتنزه الدولة، ومن ذلك قوله جل وعلا: ((واعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(سورة الأنفال ـ 41)، وهي نقلة نوعية في أسلوب بناء المجتمع عما كان قبل الإسلام، حيث اعتبر الإسلام رعاية الأيتام من واجبات الدولة.
وإمعانا في قيمة مال اليتيم، أكد القرآن الكريم على حرمة ذلك، بل وأنه وعد آكل مال اليتيم بالسعير منعا من استغلال ماله، ومن ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))(سورة النساء ـ 10)، وقوله تعالى: ((وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا))(سورة النساء ـ 2).
ولم يكتفي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالتأكيد على حرمة مال اليتيم، فراح يعتبر آكل ماله من الموبقات، فقد ورد عنه صلوات الله عليه وآله انه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: "يا رسول الله وما هن؟"، فقال صلوات اله تعالى عيله وآله: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وقال صلى الله عليه وآله في مورد آخر: "يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً"، قيل: "يا رسول الله من هم؟" قال: "الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً".
كما عده الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام من الكبائر، وقرنه الى القتل متعمدا، فقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: "الكبائر سبع، قتل المؤمن متعمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار".
ومما أشتغل عليه الإسلام في فسلفته الخاصة، هو إصلاح اليتيم، وليس الاكتفاء بمأكله ومشربه وملبسه، وفي ذلك لفتة مهمة، بل ومتقدمة حتى على النظم والتقنينات الاجتماعية المعاصرة، خصوصا وأن مفهوم الإصلاح مما يقصده القرآن الكريم في قوله تعالى: ((فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))(سورة البقرة ـ 220)، إنما هو حفظه من الانحراف والضياع، ناهيك عن حفظ ماله من التلف، فضلا عن شموله بالإصلاح النفسي وهو الأهم، بدء من عدم قهره كما في قوله تعالى: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ))(سورة الضحى ـ 9).
وإمعانا في قيمة المسؤولية المجتمعية حيال اليتيم، قّدم القرآن الكريم رعاية اليتيم على الكثير مما نعتقده أهم، كالصلاة كما في قوله تعالى ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ))(سورة البقرة ـ 177).
وهو ما جعل النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله، يقرن نفسه ـ وهو النبي الأعظم ومن اولي العزم وخاتم الأنبياء والرسل ـ مع كافل اليتيم، كما في قوله صلوات الله تعالى عليه وآله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بإصبعه السبابة والوسطى وفرّج بينهما"، معتبرا البيت الذي يكفل يتيما خير البيوت، كما في قوله صلوات اله تعالى عليه وله: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".
فاطمة الجابري
ولم يكتفى الإسلام بالنظر لكون اليتيم هو المنطقة الاجتماعية الرخوة، بل أمعن في النظر اليه على أنه ممن يستحق المعالجة لأنه إنسان، وجودا اعتباريا مهما، وهو ما يجعله في حاجة لمن يعوضه ما فقد، ليس على الصعيد المادي وحسب، بل حتى على الصعيد الوجداني والعاطفي، فضلا عن التربوي وما الى ذلك.
ووفقا لذلك، فقد اهتم الإسلام ـ قرآنيا وعصمويا ـ باليتيم، حيث أورد القرآن الكريم أكثر من عشرين آية تتبنى موضوعته بالمعالجة والاهتمام، ناهيك عما ورد من أقوال للمعصمين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم في ذلك.
ومما ورد في حق اليتيم قرآنيا، قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ))(سورة الأنعام ـ 152)، وقوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ))(سورة البقرة ـ 83)، وقوله تعالى: ((وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً))(سورة الأسراء ـ 34)، وقوله تعالى: ((مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))(سورة الحشر ـ 7)، وقوله تعالى: ((وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا))(سورة الكهف ـ 82)، وقوله تعالى: ((فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)(سورة البلد ـ 11 ـ 18).
وأبعد من ذلك، فقد أسس القرآن الكريم لمسؤولية مجتمعية تضامنية مع الأيتام، ووفقا لذلك، كان خطابه عاما، وليس موجها لمن يعنى باليتيم من جهة القرابة وحسب، حيث شمل الأيتام مع أصناف اخرى، فيما يحق لهم من حقوق حتى مما تكتنزه الدولة، ومن ذلك قوله جل وعلا: ((واعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(سورة الأنفال ـ 41)، وهي نقلة نوعية في أسلوب بناء المجتمع عما كان قبل الإسلام، حيث اعتبر الإسلام رعاية الأيتام من واجبات الدولة.
وإمعانا في قيمة مال اليتيم، أكد القرآن الكريم على حرمة ذلك، بل وأنه وعد آكل مال اليتيم بالسعير منعا من استغلال ماله، ومن ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))(سورة النساء ـ 10)، وقوله تعالى: ((وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا))(سورة النساء ـ 2).
ولم يكتفي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالتأكيد على حرمة مال اليتيم، فراح يعتبر آكل ماله من الموبقات، فقد ورد عنه صلوات الله عليه وآله انه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: "يا رسول الله وما هن؟"، فقال صلوات اله تعالى عيله وآله: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وقال صلى الله عليه وآله في مورد آخر: "يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً"، قيل: "يا رسول الله من هم؟" قال: "الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً".
كما عده الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام من الكبائر، وقرنه الى القتل متعمدا، فقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: "الكبائر سبع، قتل المؤمن متعمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار".
ومما أشتغل عليه الإسلام في فسلفته الخاصة، هو إصلاح اليتيم، وليس الاكتفاء بمأكله ومشربه وملبسه، وفي ذلك لفتة مهمة، بل ومتقدمة حتى على النظم والتقنينات الاجتماعية المعاصرة، خصوصا وأن مفهوم الإصلاح مما يقصده القرآن الكريم في قوله تعالى: ((فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))(سورة البقرة ـ 220)، إنما هو حفظه من الانحراف والضياع، ناهيك عن حفظ ماله من التلف، فضلا عن شموله بالإصلاح النفسي وهو الأهم، بدء من عدم قهره كما في قوله تعالى: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ))(سورة الضحى ـ 9).
وإمعانا في قيمة المسؤولية المجتمعية حيال اليتيم، قّدم القرآن الكريم رعاية اليتيم على الكثير مما نعتقده أهم، كالصلاة كما في قوله تعالى ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ))(سورة البقرة ـ 177).
وهو ما جعل النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله، يقرن نفسه ـ وهو النبي الأعظم ومن اولي العزم وخاتم الأنبياء والرسل ـ مع كافل اليتيم، كما في قوله صلوات الله تعالى عليه وآله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بإصبعه السبابة والوسطى وفرّج بينهما"، معتبرا البيت الذي يكفل يتيما خير البيوت، كما في قوله صلوات اله تعالى عليه وله: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".
فاطمة الجابري