رجوع
الكون والإنسان برؤية إسلامية

الكون والإنسان برؤية إسلامية

يرى الإسلام الكون بعين الواقع، ولا يسمح للهرطقة أن تتوغل لهذه الرؤية، خصوصا وإنها مبتناة وفقا لما أملاه الله جل شأنه على نبيه نبي الرحمة محمد صلوات الله تعالى عليه وآله.  ورؤية الإسلام هذه تنحدر من كليات قائمة بذاتها، أي حقائق لا يمكن ان تنسف او تتبدل، لأنها سنن ثابتة، تحكمها قصود الرحمن فيما خلق وأ...

يرى الإسلام الكون بعين الواقع، ولا يسمح للهرطقة أن تتوغل لهذه الرؤية، خصوصا وإنها مبتناة وفقا لما أملاه الله جل شأنه على نبيه نبي الرحمة محمد صلوات الله تعالى عليه وآله. 
ورؤية الإسلام هذه تنحدر من كليات قائمة بذاتها، أي حقائق لا يمكن ان تنسف او تتبدل، لأنها سنن ثابتة، تحكمها قصود الرحمن فيما خلق وأبدع، ولا تختلف هذه الروية ـ الرؤية الإسلامية ـ حيال الكون والإنسان ـ عن تلك التي أسس لها واشتغل عليها باقي الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بل أنه دعوتهم، وإن حُرف بعضها وبُدل ما قصدوه، نيئة حسنة أو بسوء نية من أتباعهم. 
وتمتاز الرؤية الإسلامية بجملة ميزات، تجعل منها ناهضة وباقية ما بقي الوجود، لأنه حُفظت بشكل يواكب حفظ الله لكتابه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))(سورة الحجر ـ 9)، لأنه ـ كتاب اله المجيد ـ هو من رسم ملامح هذه الرؤية وثّبت اركانها، ومنع من تزييفها وتحريفها، وأهم مميزات هذه الرؤية، ما يلي:
الواقعية..
إذ ينظر الإسلام للحياة وموجوداتها، من زمن وأبعاد ومخلوقات، وجود حقيقي وواقعي، ولا يقبل جره لمساحات الخيال والتخمين كما تؤسس له بعض النظريات الفيزيائية المعاصرة، من كوننا مجرد صور تتماهى هن خيالات سابقة او لاحقة، كما يختلف الإسلام بواقعيته هذه عما رغّب به بعض الفلاسفة من كوننا مجرد تصورات، وليسنا موجودات واقعية، فالإسلام يرى بأننا ـ أنا وأنت ـ شخصين حقيقيين وليس اعتباريين، وأن لوجودنا حيز فيزيائي واقعي، كما أن شعورنا بالنعاس إنما هو شعور عن واقع وليس تخيلات، كما إن حركتنا واقع فيزيائي وليس تكهن او توقع خارج الحقيقة.

القيمية الإنسانية..
وتمتاز الرؤية الإسلامية للكون، على القيمية والمحورية التي منحها الله للإنسان، فهو قيمتها العظمى، كما في قوله تعال: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا))(سورة الإسراءـ 70) ومحور دورانها، بل أن كل المخلوقات، إمنا هي سخرة له،  كما يبينه القرآن الكريم في قوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ(32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34))  (سورة إبراهيم ـ  32 – 34)، بل وأن الله جل شأنه قد استخلف الإنسان على ما خلق بعد أن سخره في خدمته، وهو ما تؤكده الآية الشريفة: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(30))(سورة البقرة ـ 29 ـ 30).

الدينامية التكاملية للإنسان.. 
كم يرى الإسلام في هذا التنوع الإنساني حالة تكاملية إثرائية لوجوده بين باقي المخلوقات، وأن مائزه عن بعضه، ليس له علاقة بالون او العرق او القومية، إنما يتفاضلون ويتمايزون بالتقوى، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(سورة الحجرات ـ 13)، وقوله تعالى: (( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ))(سورة آل عمران ـ 195). 
وتقوم ملامح هذه الرؤية الإسلامية على عدة أسس، منها 

1. إن هذا الكون محكوم بحكومة خالقه ـ الله سبحانه وتعالى ـ وأنه هو فقط من يدبره ويدير شأنه، وما خلقه وتدبيره هذا إلا عن حكمة ورحمة، وهو ما تؤكده الآيات القرآنية الكريمة في أكثر من مورد، كما في قوله تعالى: ((هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ))(سورة الحشر ـ 22)، وقوله تعالى ((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42))(سورة الدخان ـ 38 ، 42)، وقوله تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))(سورة المؤمنون ـ 115 ـ 116)، وقوله تعالى: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ))(سورة الأنبياء ـ 22)، بل وإن هذا الخلق لم يكن عبثيا واعتباطيا، بل ولم يترك سُدى، فوراءه ما وراءه من حكمة وهدفية، وهو ما تؤكده الآية الشريفة من قوله تعالى: ((﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ))(سورة القيامة ـ 36). 
2. أن لله وصلة و صِلة مع خلقه من خلال الأنبياء والرسل صلوات الله تعالى عليهم اجمعين، وهم واسطته اليهم، يعرفهم من خلالهم ـ من خلال هؤلاء الأنبياء والرسل صلوات الله تعالى عليهم ـ بما هو مطلب منه من منهج حياة يؤسس لعادتهم في الدارين، وما على العباد الا الالتزام بما يريده منهم، كما في قوله تعالى: ((رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))سورة النساء ـ 165)، وقوله تعالى: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا  وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ))(سورة البقرة ـ 119)، وقوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ))(سورة البقرة ـ 213). 
3. أن وجود الإنسان حقيقة لا تكذبها الصور المتصورة، أو تعدما الأماني الموهومة، فالموت لا ينهي وجود الإنسان، إنما ينقله من بيئة الى أخر، ومن عالم الى اخر، وسيسأل عما فعله في هذا العالم، بل وسيجزى عما فعله، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ(7))(سورة الحج ـ 5 ـ 7)، وقوله تعالى: ((يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8))(سورة الزلزلة ـ 6 ـ 8).

ظافرة عبد الواحد 
مشاركة: