رجوع
الاسلام.. أول من أسس لثقافة اللا عنف

الاسلام.. أول من أسس لثقافة اللا عنف

يشتغل الإسلام اشتغالا نوعيا على تربية المنتمين أليه، ووسمهم بما يصلحهم أن يكونوا عبادا مخلصين، ليس على الصعيد العبادي وحسب، إنما على الصعيد السلوكي والأخلاقي، كيف لا وهو دين الدنيا والآخرة، دين العمل والقول، دين الإنسانية والرحمة. ومما يربي به الإسلام المؤمنين به، اخلاقيات التسامح والتراحم، وما الى...

يشتغل الإسلام اشتغالا نوعيا على تربية المنتمين أليه، ووسمهم بما يصلحهم أن يكونوا عبادا مخلصين، ليس على الصعيد العبادي وحسب، إنما على الصعيد السلوكي والأخلاقي، كيف لا وهو دين الدنيا والآخرة، دين العمل والقول، دين الإنسانية والرحمة.
ومما يربي به الإسلام المؤمنين به، اخلاقيات التسامح والتراحم، وما الى ذلك من سلوكيات يحتوي بها الأخر، كل أخر، بما في ذلك المختلف عنه، فتجده يؤسس لمنظومة ضخمة من الأدبيات والأخلاقيات التي تحكم الفرد المسلم في احترام ما لله الآخر من حقوق، مادية كانت أو معنوية، وهو ما جعل القاصي والداني يقر بأخلاقيات الإسلام والمسلمين، ـ المسلمين الحقيقيين، وليسوا هؤلاء الأدعياء من التكفيريين والإقصائيين ـ وهذا ما أدى الى ايمان الكثيرين من غير المسلمين، بل وغير المتدينين، وصاروا اكثر الناس دفاعا عنه وتبيانا لحقيقته، وهو ما يفسر لنا كونه ـ الإسلام ـ أكثر الديانات انتشارا، بما في ذلك في اوربا معقل المسيحية، فضلا عن امريكا وغيرها من البلدان والدول. 
قرآنيا، يمكن أن نجد وبسهولة، شواهدا عديدة على تبني الإسلام لثقافة الصفح والعفو، ومن ذلك قوله تعالى: ((وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(سورة البقرة ـ 109)، وقوله تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ))(سورة آل عمران ـ 159)، وقوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ))(سورة الحجر ـ 85)، وقوله تعالى: ((فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43))(سورة الشورى ـ 36 ـ 43)، وقوله تعالى: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))(سورة الأنفال ـ 61)، وقوله تعالى: ((فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُون))(سورة الزخرف ـ 89). 
وابعد من ذلك، يدعو القرآن الكريم المسلمين الى احترام عقائد الأخرين، وإن كانت فاسدة حسب منظوره، وفقا لقاعدة ((لا أكراه في الدين))، على اعتبار أن الاعتقاد قضية حسية وقلبية، ويمكن ان تتحقق بالقسر او الضغط، ولا يعني هذا التسامح بأن عقيدة الأخر سوية او مقبولة، أنما حديثنا هنا يعنى بخصوص قبولنا لإنسانيته ورأيه، بما هو رأي، وليس الإيمان بما يعتقده، لذا تجده ـ القرآن الكريم ـ يشدد في مورد أخر على عدم الانجرار فيسب ما يعتقده الأخرين حتى وإن كان كفرا، كمن يعبد البقر مثلا، وهو ما يؤكده قوله تعالى: ((وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))سورة الأنعام ـ 108). 
ومن هذا وذاك، نجزم بما لا شك فيه، أن القرآن الكريم، صاحب القدح المعلى في الدعوة الى الصفح والمسامحة والجنوح الى السلم، وهو بذلك يتقدم على احدث النظم والتشريعات التي تدعو الى اللا عنف بمئات السنين.
وتتمة للمنهج القرآني، أمعن نبي الإنسانية محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله في تثقيف اتباعه بثقافة الصفح والرحمة لمن يخالفه الرأي والعقيدة، فقد جاء عنه في مورد رده لبعض من صحبته ممن التمسه الدعاء على المشركين، فقال صلوات الله تعالى عليه وآله: "إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة"، بل أنه رحمة للعالمين، ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ))(سورة الأنبياء ـ 107)، والعالمين هنا، الخلق اجمعين، وليس المسلمين من البشر فقط، وهو ما عهده التأريخ عنه صلوات الله تعالى عليه وآله، فلم يرد في التأريخ ما يمكن أن يثبت أن نبي الإسلام صلوات الله تعالى عليه كان قد فعل غير المشروع، وإن كان للمشروع، ولم يتوسل بوسيلة غير صحيحة، حتى وإن كانت الغاية سامية، وذلك بين وواضح حتى في حروبه الدفاعية، ، التي كان يوصي بها اتباعه على توخي الإنسانية حتى مع عسكر العدو؛ إمعانا منه في أنسنة المجتمع، والعدو منه، فكان يعفو عن الأسارى في مقابل معنوي كتعليم لمسلمين القراء والكتابة، او كان في مورد اخر يعفو عنهم بعد ان يطلعهم على الإسلام وأديباته، ناهيك عن تلك الوصايا العظيمة التي كان يوصي بها جنده والمانعة لهم من التوسل بوسائل غير انسانية مع العدو، كالإبادة او القتل صبرا او عطشا، أو الإجهاز على غير المقاتلين من الشيوخ والنساء والأطفال. 
بل نجده في مواد كثيرة، يمنع جيش المسلمين من قطع الأشجار او ردم الآبار او حرق البيوت، وهي ثقافة أنسانية عميقة المحتوى، مما لم تعهدها الحروب في تلك المرحلة أبدا. 

وهذا يجرنا الى الحديث عما يُلحق اليوم بالإسلام من لواحق ناشزة، كقطع الرؤوس والتفجير والتفخيخ وغير ذلك من انواع الجرائم، وإن فعلها من يدعي بالإسلام، إلا أنه منه براء، بل وأنها ثقافة طارئة على الإنسانية، يفعلها غير المسلم كما يفعلها من يدعي الإسلام، لذا تجد هذه الجرائم موجودة في جميع الأديان، وما وسم الإسلام بها ووصف المسلمين بأنهم إرهابيون، تجني ومجانبة للحقيقة، فالإرهاب لا دين له، ولا عقيدة ولا موطن، بل وأنه صنيعة دوائر عالمية، توظف الحروف والدمار لمنافع اقتصادية، ومنها إنعاش سوق لسلاح وتجارة الحرب، بل وأن الكثير مما يوسم به الإسلام، هو من فعل اعداء الإسلام الإيديولوجيين؛ مما حاولوا ان يستدروا الرأي العام بالضد من الإسلام بعد صنعهم لهذه المنظمات الإجرامية.

زيد خلف 
مشاركة: