رجوع
سنة الاختلاف.. وجعلناكم وشعوبا وقبائل لتعارفوا

سنة الاختلاف.. وجعلناكم وشعوبا وقبائل لتعارفوا

الاختلاف.. مفردة تستبطن الكثير من المعاني، وقد تجرنا للقبول به كما يقبل بنا، وقد تدفعنا لثقافة التعنصر وتصيرنا في حرب مفتوحة معه ومع كل من يختلف عنا ونختلف عنه. وكمنظومة بشرية، لسنا مخيرين في قبولنا للأخر من عدمه، فوجوده حقيقة حتمية اقتضتها المشيئة الإلهية، وهو ـ الله جل شأنه ـ الأعلم بخلقه منهم، وم...

الاختلاف.. مفردة تستبطن الكثير من المعاني، وقد تجرنا للقبول به كما يقبل بنا، وقد تدفعنا لثقافة التعنصر وتصيرنا في حرب مفتوحة معه ومع كل من يختلف عنا ونختلف عنه.
وكمنظومة بشرية، لسنا مخيرين في قبولنا للأخر من عدمه، فوجوده حقيقة حتمية اقتضتها المشيئة الإلهية، وهو ـ الله جل شأنه ـ الأعلم بخلقه منهم، وما من وراء الأخر والأخرين ـ أي سنة الاختلاف ـ إلا التنوع المثري للحياة، فضلا عن كون هذا التنوع مدعاة للتنافس، ناهيك عنه كونه لازمة للخلق، حيث لا ينفكون عنها ولا تنفك ـ لازمة الاختلاف ـ عنهم ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ))(سورة هود ـ 118).
والاختلاف انما يعني انا والآخر، لأن الآخر هو ذاك المختلف عني في جانب ما من جوانب الحياة، فكرة أو معتقد أو لون أو انتماء وما الى ذلك من الاختلافات التي نختلف بها، فقد يكون آخرا من حيث لونه، أو عقيدته أو انتمائه الاجتماعي أو العرقي أو القومي.
وقد يكون الآخر آخرا لما ينتمي له من دين أو مذهب أو توجه، كما قد يكون كذلك لما يختلف به عنا سياسيا أو سلوكيا وغير ذلك من الدواعي التي يتباين فيها الناس ويختلفون عن بعض، بدائرة ما من دوائر الاهتمام البشري.  
ويحدث أن يكون هذا الآخر هو من يساكننا البيت أو العمل أو المدينة أو البلد، يشاركنا بالكثير من انسانيتنا، وربما يشاركنا بمعظم اهتماماتنا وميولنا؛ إلا أنه يختلف عنا بهذا اللوم او ذاك الميل، كأن يختلف الأبن عن الأب برأيه السياسي, وتختلف البنت عن أمها بما تعتقده من دين، والأخ عن أخيه بما يتبناه من تصور، والجار عن جيرانه بما يحب ويكره. 
أمثلة كثيرة تجعل من سنة الاختلاف، سنة حاكمة على البشر، يتنوعون وفقا لها، يختلفون ويتنافسون، ولا مناص من ذلك، أي أن الآخر جزء من حياتنا، وربما مصدر قوة لحياة الإنسان عموما، نتأثر به ونؤثر فيه، ولا يمكن إلغاءه أو اجتثاثه والانفصال عنه، لأن الآخر هو التوأم السيامي الذي لا انفكاك منه.. أنه الأخ في الإنسانية، وقبوله هو الامتحان الحقيقي لإنسانيتنا، وهو ما يحتم علينا أن ننظر إليه كما نريد أن ينظر الينا، أن نقبله كما نريد منه أن يقبلنا، بل وأن نبادر للتعرف عليه وعلى مزايا اختلافه عنا وفقا للقاعدة القرآنية التي تدعو للتعارف والتلاقح الإنساني: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(سورة الحجرات ـ 13).
ولأن الاختلاف سنة كونية وإرادة الهية، فاختلاف الفرد منا عن أخيه الآخر في الدين، في الثقافة، في التقاليد، في الشكل واللون، في انتمائه القومي أو الجغرافي أو السياسي، إنما يعني أن يحتاج هذا لذاك، وان يتكامل هذا بذاك، وهي دعوة ربانية الى المقاربة والتقارب بينهما؛ لأن مسألة الاختلاف هي المعيار للقبول بما يريده الله تعالى منا، بل وإنها سُنّة لا تقبل التبديل أو التحويل، سارية مطلقة في الخلق، ومنهم البشر، وهو ما يؤكده أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فعنهم : "إن الله قضى الاختلاف على خلقه وكان أمراً قد قضاه في علمه كما قضى على الأمم من قبل....". 
وقد أكد القرآن الكريم على ذلك، بل وعده ضرورة حتمية هذه السنة، كما في قوله تعالى ((وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ))(سورة الروم ـ 22).
وأبعد من ذلك، فقد دعى نبي الإنسانية محمد صلوات الله تعالى عليه الى قبول الآخر وعدم التفاخر عليه في ما خصصنا به حتى وإن كان امتيازا، فيقول عليه وآله الصلاة والسلام: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد". 
وبناءً على ذلك، صار الاختلاف سنة إلهية في كل مظاهر الوجود بما فيها الوجود الانساني، فضلا عن إنها قيمة ايجابية، وليست سلبية، أي أنها حالة تكاملية وليس تصدعا في التعايش كما يعتقده بعض من يرى في العنصرية ملاذا لوجوده، بل على العكس من ذلك، إذ أن الاختلاف لا يعدو الا أن يكون مظهراً من مظاهر جمال الخالق فيما خلق وأبدع.
وعلى الرغم من التجربة البشرية الحديثة التي تحاول أن تؤسس لمفاهيم التعايش بشكل جيد، إلا أنها تبقى قاصرة وسطحية، وأدل دليل على ذلك، ما نشهده اليوم من حروب ومعارك، احالت هذا الكوكب الى كومة من رماد، ليس لشيء الا للاختلاف، نعم الاختلاف الذي يدفع الأمريكي الأبيض أن يستحقر أخيه الأمريكي الأسود، وأن يدفع الأوربي المتمدن لمحاربة الأفريقي البدائي، والصيني الملحد المتمترس بالسلطة الى اجتثاث الأيغوري المسلم، والداعشي المتشدد لاجتثاث الشيعي المسالم، وغير ذلك الملايين من شواهد التمايز التي كانت سببا في تدمير الحياة، بل وأبعد من ذلك يمكن الجزم بأن حالات التنازع والاحتراب التي يعيشها عالمنا اليوم، ما هي ألا اسلوبا من اساليب فرض الإرادات على الأخرين لأنهم يختلفون عن الأخر بشيء ما، يفكر بشكلية ما، ويدين بدين ما؛ ويؤمن بفكرة ورأي غير ما يؤمن به ذاك، كل ذلك يحدث في وقت غابت فيه الدعوات الحقيقية لقبول الآخر، على الرغم من الشعارات الرنانة التي تصم الآذان، إلا أننا ما زلنا نجد في هذا المجتمع الإنساني ما يدعو لاجتثاث ذاك المختلف.. وفي هذا الدين ما يقصي ويلغي الأخر من الخطابات الإقصائية والإلغائية.. وفي ذاك المذهب، ما يسمح بتكفير ومن ثم قتل الأخر.. تتبارى الجماعات ـ سيما الدينية ـ ومن أي دين كان بما في ذلك الديانات الوضعية ـ في إدامة وجودها من خلال إقصاء الأخر بل وقتله.
وفي هذا الصدد، ما أنفك القرآن الكريم ـ وهو الكتاب الذي أنزل للإنسانية كافة ـ يؤكد على أهمية قبول الأخر، وأن ليس لأحد على أخر أي سلطان، وليس له غير القبول به، بما في ذلك الأنبياء على الناس، بل وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله تعالى عليه وآله؛ ليس له أن يكره الناس للدخول في دينه، فقوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ))(سورة يونس ـ 99).
وهذا ما يجعلنا أن نُسمي من يدعو لأقصاء الأخر بالمتطرف، فالتمذهب الأعمى في الدين، هو دعوة إقصاء الأخر، والتعصب البغيض في الدين هو دعوة لقتل الأخر، وكلاهما شذوذ عن أصل الخلقة ولازمة التنوع فيها، بل أن ذلك انحراف صريح عن جادة الصواب التي يريدها الله لخلقه.
ومع هذا، فمثة من يشتغل على إلهاب مشاعر الاختلاف بين الناس، والأغرب من كل ذلك أن يشتغل هؤلاء على اذكاء نار الاختلاف لمغانم مادية كما يفعله تجار الحروب، وربما أشتغل عليها غيرهم لمغانم اقتصادية، حتى عُدت العنصرية لونا مميزا لعصرنا هذا، والاختلاف المفضي للتنازع سمته الأبرز، وللمتتبع منا للحدث السياسي والعسكري والاقتصادي السائد في العالم اليوم ـ خصوصا في السنوات الأخيرة ـ يرى بما لا شك فيه؛ تنامي ظاهرة التمايز والاختلاف الداعي للتنازع والتصارع بين المجتمعات بما في ذلك التنازع في المشاعر الدينية والطائفية والمذهبية التي تلهب الحروب وتفضي لخلق التوترات والمعارك، في وقت كان المفروض به أن يشتغل أتباع الديانات على إسعاد الإنسان وخلق البيئة الآمنة لتواجدهم من خلال خلقهم لمنظومات أخلاقية تؤسس لقبول الأخر وتقصي المشاعر العصبية والعنصري.

فاطمة الناظم 
مشاركة: