أن يسعى أصحاب قضية ما أو فكرة أو
توجه، الى نشر ما يؤمنون به، حالة طبيعية ومنطقية، بل أنه فطرة
بشرية، يمعن من خلالها الفرد في أيصال ما يعتقده أو يرغبه الى
الأخرين، والدين في ذلك غير مستثنى، بل أنه أكثر إلحاحا على صاحبه
في نشره والتبشير به، ليعم الناس ويصل الى أكبر قاعدة يمكن أن
تؤمن به.
وإلحاح الدين على صاحبه، ما هو
إلا نتيجة لما يؤمن به من أنه الدين الحق، ناهيك عن أنه الدين ـ
بما هو دين ـ يمثل الحالة الجمعية للناس، فليس هو هواية أدبية أو
رياضية يمكن ان تُحصر بنوع من الهواة والمرتادين، إنما هو لصيق
الفكر والمعتقد، وهذا ما يدفع المؤمنين به بعدم التواني في نشره،
بل وأنهم سيكونون أكثر اندفاعا في دعوة الناس اليه، وفي ذلك
تأكيدا منهم لما يعتقدون، ووفاء لدينهم الذي يدينون، خصوصا إذا ما
أخذنا بنظر الاعتبار أن مفهوم الدين بالنسية للفرد المتدين يرتبط
ارتباطا وثيقا بشخصيته وذاته، وكلما بشّر به وكسب الأخرين للأيمان
به؛ صار مكسبا شخصيا واعتباريا، يمكن أن يملي فجوة الفراغ
العقائدي الذي يمكن أن يسيطر على الفرد اذا ما كان وحيدا فيما
يؤمن ويعتقد، ناهيك عن أن الكثير من الأديان، تؤسس للدعوة لها،
وتدعوا المؤمنين بها الى ضرورة إيصال مبادئها الى عامة الناس بل
وتوجه اتباعها الى التبشير بها، باستثناء بعض الديانات المنغلقة
التي لا تقبل غير المولودين من أبوين لنفس الدين، كالزرادشتية
مثلا، فأن باقي الأديان ومنها الدين الإسلامي الحنيف، تدعو الى
ضرورة التبشير بها، وقد أنفرد الإسلام بالدعوة لنفسه بالحسنى، كما
في قوله تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ
سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ))(سورة النحل ـ 125)،
وقوله تعالى ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى
اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ))(سورة فصلت ـ 33) وهو عين ما أكده نبي الرحمة
محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله بقوله: "انْفُذْ
عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ
إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ،
فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ
مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"، وفي رواية أخرى: "وأيم
الله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه
الشمس".
وعلى الرغم من احقية الإسلام في
ألنتشار، كنتيجة طبيعية لشموله وعالميته من جهة، وخاتميته من جهة
ثانية، إلا أن لن يرى بُّد في التبشير به الا من خلال الحسنى ولين
القول، إذا أنه توسل بوسيلة الكلام الحسن والبينة في محاولته
إقناع الآخرين والتأثير بنفوسهم للقبول به، بل وأنه يرفض بشكل
قاطع غير هذا الطريق في الإقناع، فالعنف والترهيب ليسا من وسائله
أبدا، ومن يحاول ذلك، ويفرض دينه بالقهر والقسر إنما يبين فشل ما
يعتقده وضعف حجته وعجزه عن اقناع الأخرين بما يؤمن به؛ بل أنه
يستغل دينه هذا للتغطية على شعوره بالنقص، وقت ابتليت البشرية على
طول مسيرتها بهكذا نوع من المبشرين ممن استعمروا البلاد والعباد
واحتلوا المدن والبحار تحت شعار حركات التبشير، وقد دفعت
الإنسانية اثمانا باهظة في هذا السبيل، كما حدث في أوربا أيام
الملك الفرنسي شارلمان عام 778م، الذي أعدم الجرمانيين
والسكسونيين ممن لم يقبل بالتنصير، وهو شبيه بما فعلته محاكم
التفتيش في القرن الميلادي السابع حتى الحادي عشر، بل وأن لذك
قريب جدا مما يفعله بعض من يُحسب على الإسلام ظلما وزورا من
عصابات داعش الإجرامية والقاعدة المجرمة
في حين إن الموقف الصريح والواضح
للإسلام في ذلك هو أن :((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا
انفصام لها والله سميع عليم))(سورة البقرة ـ 256)، وهو دليل لا شك
فيه لما يريده القرآن ويؤسسه من قواعد وثوابت في حرية الاعتقاد
وحرية الرأي والفكرة .
وعلى وضوح هذا الدليل وعدم الشك
والريبة في قصده ومعناه، إلا أنه لم يكن الدليل الوحيد في تبيان
حرية الرأي والمعتقد للإنسان من منظرو اسلامي، فقد أمعن القرآن
الكريم في تبيان أدلته الأخرى التي تمنح الفرد حقه فيما يعتقد،
ومن ذلك قوله تعالى: ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا
شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا))(سورة الإنسان ـ 3) أي إن الإنسان هو
من يختار وليس لأي قوة بما في ذلك خالقه أن يختار عنه، وهو ما حصر
وظيفة الأنبياء حيال الناس، بالتبليغ فقط؛ لأن الله لو كان يريد
أن يؤمنوا جميعهم؛ لجعل للأنبياء عليهم سلطانا؛ في حين إنه جل
شأنه يقول:((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ))(سورة يونس ـ 99)، بل ويمعن في آية أخرى
بذلك بما يجعل من وظيفة سفراءه للناس ـ الأنبياء والرسل ـ
بالتذكير فقط، كما في قوله تعالى: ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ
مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ(22))(سورة الغاشية
ـ 21 ـ 22)، وقوله في مورد أخر ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ....))(سورة
الكهف ـ 29)، وقوله تعالى :((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ
وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ
يَخَافُ وَعِيدِ))(سورة ق ـ 45).
وعلى هذا وذاك، فإن اللا إكراه في
الدين، إنما هو شعار الإسلام الحق، وربما الشعار الذي لم يرفعه
دين غير الإسلام، ما يجعل من الإسلام دين الإنسان عامة، بل وأنه
دين الإقناع والحجة، وهو ما جعل منه أكثر الأديان انتشارا وسعة،
لأنه يؤمن بتغيير قناعات انسان وفقا للمحاججة لا
الإكراه.
وفي هذا الصدد، يؤد المستشرق
الإنجليزي ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العرب المسلمين في
الأندلس"، بأن التمايز بين الإسلام والمسحية كبير وجوهري، "ففي
الوقت الذي كان التعصب الديني قد بلغ مداه جاء الإسلام ليهتف
((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ))(سورة الكافرون ـ 6)، صدم
المجتمع البشري من هذه المفاجأة، لأنه لم يعهد أن تكون ثمة حرية
في التدين، وربما لم يعرفها حتى الآن، إنما محمد النبي فقط هو من
اسس لذلك وسار مسيرته التي لم تعرف التردد".
فاطمة الجابري