ذهبت التفسيرات البشرية في
تبيان حركة التاريخ الإنساني لمذاهب شتى، فبين من يرى فيها صراعا
حضاريا، وهو ما أسس لها صامويل هنتنجتون من خلال نظريته
المسماة بصراع الحضارات، في الوقت الذي يراها تشارلز داروين؛ ـ
صاحب الدارونية المعروفة ـ بأنها صراع من أجل البقاء، وبتعبير
أدق، هي انتقاء طبيعي، تكون الغلبة فيه للأقوى، في حين يراها كارل
ماركس واتباعه على أنها صراع طبقي، بين طبقتين أساسيتين،
البرجوازية والبروليتاريا ولكل منهما مجموعة من الاهتمامات
المشتركة والملكية الخاصة.
أما القرآن الكريم، فإنه ينظر
لهذه الحركة الإنسانية من زاوية غير تلك التي نظر اليها هؤلاء
القاصرين، حيث يركنها لصراع إيديولوجي بين الحق والباطل، وإن شأت
فقل بين الخير والشر، وأبعد من ذلك، أن المتتبع للخطاب القرآني
يلمس بما ليس فيه شك، أن هذا الصراع إنما هو سنة كونية، تقيم بها
الحياة الدنيا، حيث لا يمكن أن تكون الحياة خيرا محضا، ولا شرا
محضا، ومن ذلك قوله تعالى: ((أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا
رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ
ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ))(سورة
الرعد ـ 17) وقوله تعالى ((وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا
آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا))(سورة الكهف ـ 56)،وقوله
تعالى: ((ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا
اتبعوا الحق من ربهم))(سورة محمد ـ 3)، وقوله تعالى: ((وَقُلْ
جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً
))(سورة الإسراء ـ 81).
وعند تتبع الآيات أعلاه، نجد أنها
تبين حقيقة الحركة التاريخية البشرية القائمة على صراع الأضداد،
الحق والباطل، الخير والشر، بل أنه ـ القرآن ـ نفسه إنما سمي
فرقانا، لأنه يفرق بين الحق والباطل.
ووفقا لهذا الصراع الأزلي، صارت
سنة الابتلاء، أي أن العباد مبتلون بهذا الصراع، ووفقا له، ينحاز
الفرد من خلال هذا الابتلاء الى جوار الله أو الى جوار عدوه،
كمصداق لقوله تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ))(سورة الملك ـ 2)، ما يجعل من هذا الصراع ـ صراع
الخير والشر ـ سنة حاكمة من سنن الحياة البشرية، بل أن ذلك من
النواميس التي فطر عليها الإنسان.
وبناء على هذا المسار في الصراع
الأزلي، فأن الحقيقة المترتبة على ذلك، هي أن العاقبة ستبقى للحق،
وأن الخير هو من يتنصر في النهاية، حتى وإن أنتصر الباطل في جولات
وجولات، إلا أن الخاتمة ستبقى للحق دائما وأبدا، فدولة الباطل
ساعة، ودولة الحق الى قيام الساعة، وهو ما بينه النبي الأكرم محمد
صلوات الله تعالى عليه وآله في وصية له أوصى بها أمير المؤمنين
عليه الصلاة والسلام، جاء فيها: " يا علي والله لو أن الوضيع في
قعر بئر لبعث الله عزّ وجلّ إليه ريحا ترفعه فوق الاخيار في دولة
الاشرار".
وعن الإمام جعفر الصادق عليه
الصلاة والسلام أنّه قال: "إنّ الله عزّ وجلّ جعل الدين دولتين
دولة آدم وهي دولة الله ودولة إبليس فإذا أراد الله أن يعبد
علانية كانت دولة آدم وإذا أراد الله أن يعبد في السر كانت دولة
إبليس والمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين"، وعنه كذلك: "يا
هذا إنّ للحق دولة وللباطل دولة وكل واحد منهما في دولة صاحبه
ذليل وان أدنى ما يصيب المؤمن في دولة الباطل العقوق من ولده
والجفاء من إخوانه وما من مؤمن يصيبه شيئاً من الرفاهية في دولة
الباطل إلاّ ابتلي قبل موته إمّا في بدنه وإمّا في ولده وإمّا في
ماله حتى يخلصه الله مما اكتسب في دولة الباطل ويوفر له حظه في
دولة الحق فاصبر وأبشر".
وعلى هذا وذاك، فإن أي انتصار
ينتصره الباطل، واي فوز يفوزه الشر، إنما هما وهم ووهن بل وتمرحل
فقط، سرعان ما يذهب حسيرا أمام سطوة الحق وقوة الخير، لأن الحق
والخير من جنود الله، وهو من يسبب رفعتهما، ومهما تقدم الباطل
فأنه الى خسارة، ومهما خسر الحق فأن الفوز حليفه، وهو ما تؤكده
الآية الشريفة من قوله تعالى: ((فوقع الحق وبطل ما كانوا
يعملون(118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119)(سورة الأعراف ـ
118 ـ 119)، وقوله تعالى: ((ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره
المجرمون))(سورة الأنفال ـ 8)، وقوله تعالى: ((لْ نَقْذِفُ
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ))( سورة الأنبياء ـ 18)،
وقوله تعالى ((قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد))(سورة سبأ
ـ49)، وقوله تعالى: ((ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته))(سورة
الشورى ـ 24)، وقوله تعالى: ((قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا
بالحق))(سورة سبأ ـ 26)، وقوله تعالى: ((فإذا جاء أمر الله قضي
بالحق وخسر هنالك المبطلون))(سورة غافر ـ 78).
ولم يكتف القرآن الكريم في تبيان
هذه السنة الكونية اللازمة للوجود البشري، بل راح يطرح لنا
مصاديقها بشكل عملي، من خلال سرده لبعض القصص القرآنية، التي
أنتصر فيها الحق على الباطل بعد صبر وثبات من أهله، وأخذا منهم
لأسباب النصر هذه، ففي قصة نبي الله موسى عليه وعلى نبينا وآله
أفضل الصلاة واتم التسليم كممثل للخير والحق، قبالة الطغيان
الفرعوني الممثل للباطل والشر؛ بل والمتجبر المدعي للربوبية، فكان
للحتم الإلهي كلمته، كما في قوله تعالى: ((وأورثنا القوم الذين
كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة
ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون
وقومه وما كانوا يعرشون))(سورة الأعراف ـ 137)، وقوله عز وجل:
((ونصرناهم فكانوا هم الغالبين))(سورة الصافات ـ 116).
وفي مصداق آخر، يبين القرآن
الكريم انتصار النبي محمد صلوات الله تعالى عليه وآله كرائد للحق
وعماد للخير، على أهل الشرور والباطل من الكفار، مما ورد في معركة
بدر الكبرى، بقوله تعالى: ((ولقد نصركم الله ببدر وأنتم
أذلة))(سورة آل عمران ـ123)، وقوله تعالى: ((ويريد الله أن يحق
الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو
كره المجرمون))(سورة الأنفال ـ 7- 8)، حتى سماها ـ يوم معركة بدر
الكبرى ـ صلوات الله تعالى عليه وآله بيوم الفرقان، بعد أن فرقت
بين الحق والباطل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ينطبق على
المصداق.
زيد خلف مجيد