رجوع
الإسلام سلام... قراءة في مفهوم المسالم والمحارب من غير المسلمين

الإسلام سلام... قراءة في مفهوم المسالم والمحارب من غير المسلمين

منطق الحياة، والحق فيها يفرض على الإنسان ضمان حياته مما يعتدي عليه، أو يحاول سلبه إياها، ولو بقتل المعتدي لو كان إنسانا، وهذا هو ديدن الفطرة البشرية، وغريزة حفظ الذات فيها، وعلى هذا تسالمت الأديان السماوية جمعاء، ولا يعني ذلك عدوانا منها على أحد؛ إنما صد لعدوان المعتدي الذي يريد ازهاق الروح، ومن ذلك...

منطق الحياة، والحق فيها يفرض على الإنسان ضمان حياته مما يعتدي عليه، أو يحاول سلبه إياها، ولو بقتل المعتدي لو كان إنسانا، وهذا هو ديدن الفطرة البشرية، وغريزة حفظ الذات فيها، وعلى هذا تسالمت الأديان السماوية جمعاء، ولا يعني ذلك عدوانا منها على أحد؛ إنما صد لعدوان المعتدي الذي يريد ازهاق الروح، ومن ذلك ما تعارف عليه الفقه الإسلامي من مصطلح "المسالم" و"المحارب"، وهدر دم المحارب الذي يريد قتل المسلمين غيلة، إنى سنحت له الفرصة، وهو بذلك خارج ذمة المسلمين، مباح الدم، لا عصمة منهم له جراء نقضه ميثاق الأمان الذي منحه لهم قبالة حياته معهم وحقوقه بينهم، وهو ليس ببعيد عما تقضيه القوانين الوضعية في عقاب المحارب والمقاتل للنظم الاجتماعية والمخل بأمنها، قصاصا منها، جراء فعلته التي يستخف بها بدماء الأخرين.
ومن مصاديق الحربي في هذا الوقت هو المصر بوسيلة ما على قتل النفس البريئة وهتك العرض واحتلال الأرض وسلب خيرها، والإضرار بالمجتمع الذي تسالم على الأمان معه، وأبعد من ذلك، يشمل القوات الغازية والمحتلة لبلاد المسلمين، بذريعة "الاستعمار" و"التحرير"، مما تسلكه القوى المتغطرسة اليوم في بعض البلاد الإسلامية. 
والأساس في ذلك الحرابة هو مقاتلة المحارب الذي يريد القتل، ولا يشمل ذلك بالتأكيد من يعاند العقيدة الإسلامية ولا يعترف بالإسلام، أو حتى الذي لا يدين بدين غيره ويعيش بين المسلمين، ويلحد بالله، لأن القاعدة الإساس في مقاتلة الحربي هي عصمة الدم والمال لكل فرد، بعيدا عن معتقده او أيدولوجياته العقدية، لأن الدماء والأموال والأعراض في عصمة ومأمن وعلى جميع المسلمين كونها حق سماوي لا جدال فيه، وليس من حق أحد هدرها أو اباحتها إلا لفعل مسوغ بوزن حربه ـ مقاتلته ـ للمسلمين، لأن المسالمة مبنية على أحد أمرين، إما الإيمان ـ وبه يعصم المرء، دما ومالا ـ أو أن يتعاهد للأمان عبر ميثاق أو عهد يحق له حقوق ويوجب عليه واجبات تحفظ له ولهم حياتهم وأموالهم دونما مساس، مع حقه فيما يعتقد ويؤمن.
وبذلك فأن دماء وأموال المسلمين واعراضهم مصانة بإيمانهم، في حين إن دماء وأموال وأعرض غير المسلمين هي الأخرى مصانة، ولكن بالمواثيق والعهود الحافظة للأمن المجتمعي، كمنشد سماوي، وكتطبيق إسلامي.
وبذلك فأن المنكر للإسلام سيكون واحدا من أثنين، إما مسالم لهم عبر ذمة او عهدا او ميثاقا، وبه تعصم دماءه وامواله ومتعلقاته، أو أن يكون منكرا حربيا يريد بهم الغيلة والقتل، وهو مهدور الدم، لا عصمة له، ولا أمان، إذ ليس منطقيا أن يسمح عاقلا بقتل الناس ومنهم المسلمين دونما ردع.
وينطبق مفهوم المحارب على الأفراد وينسحب منها على الدول التي تعلن العداء للمسلمين وتسفك دماءهم من خلال إدخالهم في حروب تأخذ مرة شكلا عقائديا وفي مرة أخرى حروبا اقتصادية، وفي حالة حروب مياه.
والحرابة التي يتبناها المحارب للمسلمين، قد تتعدى القتل، وتأخذ صورا أخرى كالتحريض وتحين الفرص والإمعان في افقار المسلمين، عقابا على عقيدتهم، فهؤلاء بدرجة أو بأخرى محاربين ولو ضمنا.
وبعد أن بيّنا أن ثمة مستند عقلي يفرض على المسلم الدفاع عن حياته قبالة من يريد قتله من "الحربيين"، نجد إن المستند الشرعي في ذلك، هو قوله جل من قال ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))(المائدة ـ33)، بأعتبار إن جزاء من يسعى إفسادا في الأرض ويقتل المسلمين دونما حق هو محارب لهم، لا عصمة لحياته ولا لماله بينهم، الواجب المنطقي إيقاف قتله لهم بالقتل. 
وربما هنالك من يشنع على الإسلام ويوسمه بالقتل غير المبرر، مستشهدا بفتاوى التكفير التي تصدر ممن حُسب على الإسلام كذبا وزورا، فقولنا الفصل في ذلك، هو إن هذه الأفعال مرفوضة جملة وتفصيلا من الإسلام والمسلمين، كونها من صناعة من يريد أن يزور على الإسلام، ويجعله عدوا عالميا، من خلال صناعة صورة نمطية سلبية عنه، وإن البسها أدلة شرعية، يلوي بها أعناق النصوص ويميع السماحة بالتشدد، إلا أنها تبقى هجينة على الإسلام الأصيل الذي تعايش مع أمم وحضارات كثيرة، أثّر وتأثر بها، وعاش معها في بيئات مسالمة أنتجت مجتمعات آمنة تزخر بالرفاه والحياة الكريمة.
لذا فإن اقوال من يتشدق بنسبة العنف والإرهاب للإسلام ويجتهد بتنميط صورته كقاتل مجاز، ليست من الإسلام، خصوصا في الحسابات الدولية اليوم، ومصاديقها التنظيمات الإرهابية المعروفة كالقاعدة وبوكو حرام وداعش وغيرها ممن أنتسب للإسلام بلا نسب أو سبب، وهو منهم ومن سلوكياتهم براء، لأنهم فهموا الإسلام قشريا، وانتقوا منه نصوصا محددة ووظفوها في غير محلها، بمساعدة من هم غير مؤهلين للفتيا، ودعم من مراكز عالمية تريد الشر بالبشرية؛ بغية مصالح اقتصادية وعسكرية.
من جهة أخرى، نجد هؤلاء المتشدقين بوسم الإسلام بالقتل والإرهاب يغضون الطرف عن "أدبيات الإسلام" التي تصرح ليلا ونهارا بوجوب احترام حقوق الإنسان المعنوية (حياته وعرضه وعقيدته ورايه) والمادية (ماله وبيت عبادته وملكه)، وتحرم جهارا نهارا، تصريحا وتلميحا، التعدي على الأخرين ممن يخالفون الإسلام بالرأي أو الرؤية أو المعتقد، شريطة أنه لا يريد بهم الغيلة بالقتل، بل وعد الإسلام من يقتل نفسا دونما سبب كمن يقتل الناس جميعا ((... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا... ))(المائدة ـ32)، وراح أبعد من ذلك في حثه على التلاقح الفكري والتزاوج العقلي بين الأمم والحضارات بمشروعية التقوى المبنية على عدم التعدي ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(الحجرات ـ13)، فكيف يقبل الإسلام بقتل الأخرين ـ باستثناء المحارب له ـ وهو يدعو للسلام، ويثقف لحفظ الإنسان، ويؤسس لكوكب وديع، استخلاف من الله في عمارة للأرض، من خلال منظومة تشريعية كبرى (قرآنية وحديثية وسلوكية) حرم من خلالها القتل والعدوان ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا))(الإسراء ـ33)، بل وألزم المسلمين ـ جميع المسلمين ـ بعدم البغي على الأخرين ((إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(91))(النحل ـ 90 ـ91)، بل سمح بمخالطة المخالفين وبّرهم والإحسان اليهم ما لم يحاربوا الإسلام ويقتلوا المسلمين ((لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9))(الممتحنة ـ8ـ9). 
وبذلك نصل الى حقيقة وأحقية الإسلام في كونه دين سلام وتسامح، وأن الصورة المشوهة التي يشتغل عليها الإعلام العالمي، مفادها واحد من اثنين، إما حكم جزئي منهم على الإسلام كنتيجة طبيعية لتصرفات بعض من أدعى الإسلام، وتلبس بلبوسه، أو ان وراء ذلك بعداً ايدولوجيا يؤسس لحروب الحضارات وصراعها، مما تشتغل عليه الآلة العسكرية في بعض القوى الظالمة.
مشاركة: