إن المنابع التي استقى منها جنكيز
ضاغجي أدبه كانت متأصّلة الجذور، استطاع من خلالها أن يقرن اسمه
بقضية العلاقة بين الشاعر ووطنه، فهذه القضية التي هيّأت له أسباب
الخلود تجذّرت في نفسه فوهبها كل ما يملك وأعطاها كل ما تستحق حتى
أضحت قضية (القرم) المسلمة هي قضيته الوحيدة فسماها (جغرافية روحي)،
إذ لا يمكن للباحث في أدب ضاغجي أن يستشف موارد إبداعه ما لم يتعرف
عن كثب على قضية جمهورية القرم التي عانت كثيراً من المآسي والويلات
في جميع أدوارها ودفع أهلها الكثير من التضحيات في سبيل الحفاظ على
دينهم وتراثهم وعنصرهم وتقاليدهم وحريتهم.
أهل القرم، أتراك مسلمون يتحدثون اللغة التركية بلهجتها القرمية، والقرم تعني (القلعة) وهي شبه جزيرة تقع في شمال البحر الأسود وهي اليوم إقليم عاصمته (أق مسجد) أي المسجد الأبيض، تبلغ مساحة القرم (26.140) كم، يعيش فيها سبعة ملايين نسمة، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية ومواردها تكفي حاجة أهلها وتفيض على البلدان أو الأقاليم الأخرى كما يشير إلى ذلك بالتفصيل مستجيب أولكوصال رئيس منظمة لاجئي القرم في دراسته (أتراك القرم) (انقرة 1976).
والقرم غنية بالبترول والفحم الحجري واللينيت والغاز الطبيعي والحديد والمنجنيز والرصاص والنحاس وكل ذلك يوجد في أرضها بوفرة ويعادل حديد القرم في جودته حديد المانيا ولكسمبورج، كما تتميز القرم بقمحها المشهور باسم (قريمكا) فضلاً عن الفواكه الكثيرة المتعددة الأنواع وفي مقدمتها العنب والكمثرى، كما تمتد بها الغابات الكثيفة ويكثر فيها الملح والمرمر والتبغ وهناك شواهد أخرى على غنى القرم تركناها خشية الإطالة.
كانت القرم ولاية في دولة (آلتون أوردو) الجيش الذهبي التي أسسها أحد أحفاد جنكيز خان وهو باطو خان عام (1218م) وعندما دمر تيمور لنك هذه الدولة تفرقت إلى ثلاث (خانيات) كانت القرم واحدة منها، وقد تولى الحكم في خانية القرم عائلة كيراي (من عام 1427 إلى 1783) التي فطنت إلى خطورة روسيا على القرم فوقفت ضد توسعها، فحاصر محمد كيراي موسكو عام 1521م وأخضع حاكمها واسيلي وأجبره على دفع الجزية ثم فتح دولة كيراي موسكو عام 1571م ولكن الضعف دب في خانية القرم فبدأت اعتداءات الروس عليها.
في عام 1771م قتلت الجيوش الروسية 350 ألف قرمي، ولم تمهل كاترينا الثانية (1729-1769) إمبراطورة روسيا شاهيم كيراي (1777-1783) آخر حكام كيراي الذي حاول إعادة بناء القرم وتقويته وانتشاله من الضعف فبادرت بإرسال الجيوش الروسية بقيادة الجنرال بوتكمين عام 1783 لغزو القرم، يقول إدوارد دانييل كلارك وهو شاهد عيان على العدوان الروسي في القرم: "إنهم ـ أي الروس ـ هدّموا وأحرقوا القرم، كسروا الاشجار، خربوا المنازل والمساجد والأماكن العامة والقنوات، سرقوا أهل القرم ونهبوهم، وأظهروا السخرية بدينهم وبتقاليدهم، هدموا قبورهم ونبشوها".
لقد دخل بوتمكين إلى القرم وهو يحمل الصلاحية الكاملة لطرد شعب القرم بكامله، والقضاء على دينه وثقافته وتلاوة أمر الإمبراطورة كاترينا بإلحاق القرم بالإمبراطورية الروسية رغم التعهدات الشكلية التي وعدت بها الإمبراطورة بالمحافظة على كل حقوق الشعب القرمي.
ونتيجة لتطبيق السياسة الروسية الرامية إلى طرد الأتراك القرميين من بلادهم وتحويلهم إلى أجراء في أرضهم بعد سحب ملكيتها منهم وتركهم بلا عمل يتعيشون منه، بدأت الهجرات من القرم إلى تركيا حتى وصل عدد المهاجرين منهم قرب نهاية القرن التاسع عشر إلى مليون ومئتي ألف نسمة وحوّل الروس 830 مسجداً من مجموع (1556) لأغراض غير عبادية، يقول الجنرال الروسي ليفتسكي في مذكراته المنشورة عام 1879: "إن الحكومة الروسية لم تتخل - وهي في سبيل الوصول إلى المضايق والمياه الدافئة ـ عن اقتراح الأمير منشكوف الخاص بتهجير أتراك القرم إلى داخل روسيا وإلى الولايات الروسية البعيدة أيضاً".
وفي عام 1917 تم إعلان استقلال جمهورية القرم الشعبية إبان الثورة البلشفية، يقوم على إدارتها حكومة وطنية، لكن البلاشفة لم يكونوا جادين في إعطاء القرم الاستقلال، فقام 30 ألف من بلاشفة مدينة (أق يار) من جنود البحرية والعمال والذين لم يعترفوا بسلطة الحكومة الوطنية وبمساعدة الروس المهجرين إلى القرم من يهود وصقالبة بإسقاط الحكومة وإعدام رئيس جمهورية القرم جلبي نعمان جهان وإلقاء جثته في البحر، وقد غيّر الروس اسم المدينة إلى (سيفا ستبول).
وفي عام 1920 جرت ثلاثة أحداث: الأول، إعلان موسكو قيام جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي وعينوا لرئاستها بلشفياً قرمياً يدعى ولي إبراهيم، والثاني، حصول مجاعة في القرم أودت بحياة 60 ألف قرمي، والثالث ولادة الشاعر والروائي جنكيز ضاغجي.
ولكن مسلسل الأحداث المأساوية لم تقف عند هذا الحد ففي عام 1928 اعترض ولي إبراهيم وأعضاء حكومته القرمية على فكرة ستالين بإقامة دولة يهودية في القرم ونددوا بتدفق الهجرات اليهودية إليها فصدرت الأوامر من موسكو بإعدام رئيس جمهورية القرم وكل أعضاء حكومته وبإخماد الحركة الشعبية القرمية المعارضة.
واستمرت الهجرات اليهودية الروسية إلى القرم وعلى أثر الاعتراضات الوطنية على قرار ستالين أصدر ستالين أمره المشهور عام 1929 بنفي 40 ألف قرمي من بلادهم إلى منطقة (سفردلوفسك) في سيبيريا حيث معسكرات العمل الإجباري الشاق فمات الكثيرون منهم من الجوع والبرد حيث تصل درجة الحرارة في سيبيريا إلى 35-40 تحت الصفر.
وعندما اعترض محمد قوباي رئيس جمهورية القرم على سياسة التجويع التي اتبعها الروس تجاه بلاده نتيجة لاستيلاء موسكو على محاصيل القرم الزراعية وبيعها بالخارج نفاه الروس من بلاده عام 1933.
وعند احتلال الألمان للقرم في الحرب العالمية الثانية تعاون القرميون معهم ضد الروس فانتقم الجيش الأحمر ـ بعد هزيمة المانيا ـ من القرميين، ففي عام 1944 نفى الروس البقية الباقية من شعب القرم من بلاده إلى آسيا الوسطى وسيبيريا ومناطق الأورال.
يقول رئيس منظمة اللاجئين القرميين: "ظل كل فرد من شعب القرم في المناطق التي نفي إليها خاضعاً لمراقبة الشرطة ليلاً ونهاراً وخلال عشر سنوات".
أما بعد هذه السنوات العشر فقد خففت هذه المراقب بحيث سمحت السلطات السوفيتية بإمكان تغيير القرميين لأماكن إقامتهم وسكنهم بشرط ألّا يتعدى هذا التغيير حدود الولايات التي تم النفي إليها.
وبعد انتهاء الحرب اجتمع مجلس السوفيت الأعلى عام 1946 وأصدر قراره بإلغاء جمهورية القرم نتيجة لخيانة شعب القرم لدولة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية وتعاونه مع الألمان، وألحقت بلاد القرم بجمهورية أوكرانيا فاستولى الروس على هوية الأرض القرمية.
ورغم أن محاولة ستالين في إقامة دولة يهودية في القرم قد باءت بالفشل إلا أن هجرات اليهود والصقالبة الروس كانت تتزايد إلى القرم في الوقت الذي ينص القانون الروسي على تحريم عودة هذا الشعب إلى أرضه وكل من ينادي بعودة شعب القرم من منفاه إلى أرضه فإن مصيره الاعتقال، وكان ممن نادى بالعودة عالم الفيزياء النووية المشهور قاضي بيف، والمثقف القرمي مصطفى جميل الذي طالب بجرأة من السلطات السوفيتية عام 1978 السماح لشعب القرم بالعودة إلى بلاده لكن مصيره كان الموت تحت التعذيب.
كل هذه الاحداث شكّلت إرثاً تراجيدياً في نفس جنكيز أمين حسين ضاغجي فانعكست في أدبه وقد عايش جنكيز ـ مثل باقي شعبه ـ كثيراً من المآسي والويلات، فقد فتح عينيه وهو طفل على المجاعة الرهيبة التي حدثت في القرم نتيجة احتجاج القرميين على إصرار ستالين بإقامة دولة لليهود في القرم.
كان أبوه فلاحاً بسيطاً في (قيزيل طاش) إحدى قرى يالطا في القرم، وعندما بلغ جنكيز الثانية عشرة من عمره احتل الروس القرم وحولوا أصحاب الأراضي إلى عبيد في المزارع التعاونية، فشاهد بنفسه الأرض التي ولد وترعرع عليها تُنتزع من أبيه بالقوة، فأثر هذا الحادث كثيراً في نفسه وأخذ حيّزاً كبيراً في أدبه كانت نتيجته فيما بعد إلقاء القبض عليه ونفيه مع عدد كبير من أهل قريته بينهم أعمامه بموجب قرار حكومي حرم بقية أفراد أسرة جنكيز ضاغجي من العمل.
في تلك الظروف القاسية تلقى جنكيز تعليمه الابتدائي في قريته ثم الإعدادي في مدينة (أق مسجد) التي غير الروس اسمها إلى سيمفروبول، ثم التحق بمعهد التربية لكنه لم يكمل دراسته لتجنيده في الجيش الروسي عند قيام الحرب العالمية الثانية (1940)، بعد عام من بدء الحرب وقع جنكيز في أسر الألمان وبعد انتهاء الحرب استقر في لندن مع زوجته وابنته.
بدأ جنكيز رحلته مع الأدب بخوضه غمار الشعر فنشر في مجلتي (الشباب) و(الأدب) في القرم بين عامي 1936 ـ 1940 ثم بدأ يخوض عالم الرواية فبدأه برواية (السنوات الرهيبة) عام 1956 وقدمها مع رسالة يقول فيها: "أحمد الله إني تركي مسلم، وأقسم بالله بأن كل ما كتبته هنا إنما هو واقع حقيقة".
وقد صوّر جنكيز في هذه الرواية طموحات المسلمين في الاتحاد السوفيتي في الاستقلال ببلادهم من خلال اندفاعهم إلى الاشتراك في جيش تركستان لتحرير تركستان الغربية والقرم من الحكم السوفيتي، كما يصور جنكيز في هذه الرواية ما لاقاه هؤلاء التركستانيون والقرميون من العنت والتجويع لكن حبهم لبلادهم ولتحررها دفعهم الى الإقبال على التدريبات العسكرية العنيفة والأمل يراودهم في التحرر ورفع الراية التركية الإسلامية فوق أراضي المسلمين، كما صوّر أيضاً المحن التي شاهدها بنفسه في صباه وشبابه.
وقد تميّزت هذه الرواية وباقي روايات جنكيز بالواقعية التراجيدية أضفت على أعماله قوة تدفع القارئ إلى الإيمان بها، يقول عثمان قوجة قابلان في مجلة (حركت) عام 1979 إستانبول: "إن في روايات جنكيز ضاغجي أبعاداً عالمية مثل اكتساب صفة الثورة على الظلم وبحث الإنسان عن نفسه".
أما روايته الثانية (الرجل الذي فقد وطنه) 1957 فهي تصور تجنيد المسلمين في الجيش الروسي ثم وقوع الكثير منهم في معسكرات الأسر الألمانية وفيها يصوّر جنكيز الثنائية حول المحن التي لاقاها هؤلاء المسلمون في معسكرات الأسر الألمانية حيث اتضح للمسلمين إن الألمان لا يقلون عن الروس أذى ووحشية.
وحول تلذذ الألمان بمعاناة المسلمين في الأسر يقول: "الجندي الألماني يتلذذ من منظر تدافع هؤلاء الأسرى من أجل لقمة ألقاها هذا الجندي على الأرض".
كما سجل جنكيز كراهية اليهود للمسلمين، حيث يقول: "اليهود الأسرى يحاولون جر الأسرى المسلمين إلى الوقوع في عمليات تعذيب فظيعة نتيجة للمكر اليهودي والوقيعة بين إدارة المعسكرات وبين الأسرى المسلمين".
أما في روايتيه (هم أيضاً كانوا بشراً) عام 1958 و(هذه الأرض كانت أرضنا) عام 1966 فإن جنكيز قد خصصهما للتعبير عن محنة شعب القرم وفيها صور الحياة الاجتماعية ومعاناة القرميين من (المزارع التعاونية).
يقول الناقد التركي جلال ترا ايدين في مقدمة دراسته لرواية (هذه الأرض كانت أرضنا) لجنكيز ضاغجي ما يلي: "حدثت مصائب كبير ونكبات سواء للأشخاص أو المجتمعات لكني أظن أن أفدح النكبات هي نكبة شعب في وطنه، هي طرد شعب من أرضه التي عاش فيها هو وأجداده، هو منع هذا الشعب من العودة إلى أرضه مرة أخرى".
إن الحكام الذين نزعوا أصحاب الأرض الأصليين من ماضيهم، أصحاب الارض الذين قذفت بهم من الأرض التي أمضوا فيها أيامهم سعيدة كانت أم تعيسة، الأرض التي نشأوا وتزوجوا وأنجبوا الأولاد وأنجب الأولاد الأحفاد فيها هؤلاء الحكام لم يكونوا بمستطيعين أدراك فظاعة العمل الذي قاموا به وهم تحت تأثير أحقادهم المتراكمة، لكن الأتراك القرميين تمتلئ مآقيهم بالدموع عندما يتذكرون ماضيهم أما عندما يتذكرون أرضهم فانهم يطلقون من صدورهم آهة ويقولون في حزن عميق: (هذه الأرض كانت أرضنا).
وتتابعت روايات جنكيز التي تدور حول طموحات المسلمين في الاتحاد السوفيتي في استقلال بلادهم والحفاظ على عقيدتهم الإسلامية وعلى عنصرهم الذي عمل الروس على إذابته فتوالت رواياته حول هذه القضية فكانت روايته السادسة (الحياة في الكولخوز) عام 1966 ثم (العودة) عام 1968 و(الشاب تيموجين) عام 1979 و(الأطفال المشنوقون على أغصان شجر الموز) عام 1970 و(الشارع المصاب بالبرد) عام 1972.
إن لجنكيز شخصية أدبية مستقلة وطابعاً خاصاً في الرواية وهو من الأدباء الكبار الذين أنجبتهم روسيا وقد تأثر في بداية رحلته الأدبية بتولوستوي وديستويفسكي ونكراسوف وتورجينيف، وفي إداء يقارب الشعر شفافية يكثف جنكيز مشاعره نحو أرض وطنه السليب على لسان إحدى شخصيات روايته (هذه الأرض كانت أرضنا) فيقول: "حدثيني يا أرضي، أمعقول أن أترككِ وأذهب؟ أ لستِ أنتِ أرضي؟!! أجدادي ولدوا هنا.. نشأوا هنا.. عاشوا هنا.. ماتوا هنا.. كنتِ يا أرضي بواراً ففلحناكِ أجدادي وأنا، نظفنا ترابكِ.. انظري أي أرضي إلى يديّ الجافتين المشقوقتين هاتين لقد طهرتكِ من الحصى ومن الكلأ، طهرتكِ من الاعشاب وجعلتكِ جميلة مثل الجنة، لم تصدر مني شكوى ضدكِ، فكيف أشكو؟ وسعادتي تكون بقدر ما أصابني من جهد وإرهاق أثناء تطهيري لكِ وفلاحتي فيكِ كثيراً يا أرضي ما غرست بيديّ هاتين أغصان العنب والتبغ فيكِ، كنت أرويكِ يا أرضي بدموعي بينما كنتُ أدعو الله أن يمن عليكِ بالماء، حبات أعنابكِ يا أرضي عندي بمثابة حبات اللؤلؤ في الجنة وأوراق تبغكِ يا أرضي عندي بمثابة قطع الذهب لا رغبة في هذي الدنيا إلاك أنتِ.. أنتِ يا أرضي".
محمد طاهر الصفار
أهل القرم، أتراك مسلمون يتحدثون اللغة التركية بلهجتها القرمية، والقرم تعني (القلعة) وهي شبه جزيرة تقع في شمال البحر الأسود وهي اليوم إقليم عاصمته (أق مسجد) أي المسجد الأبيض، تبلغ مساحة القرم (26.140) كم، يعيش فيها سبعة ملايين نسمة، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية ومواردها تكفي حاجة أهلها وتفيض على البلدان أو الأقاليم الأخرى كما يشير إلى ذلك بالتفصيل مستجيب أولكوصال رئيس منظمة لاجئي القرم في دراسته (أتراك القرم) (انقرة 1976).
والقرم غنية بالبترول والفحم الحجري واللينيت والغاز الطبيعي والحديد والمنجنيز والرصاص والنحاس وكل ذلك يوجد في أرضها بوفرة ويعادل حديد القرم في جودته حديد المانيا ولكسمبورج، كما تتميز القرم بقمحها المشهور باسم (قريمكا) فضلاً عن الفواكه الكثيرة المتعددة الأنواع وفي مقدمتها العنب والكمثرى، كما تمتد بها الغابات الكثيفة ويكثر فيها الملح والمرمر والتبغ وهناك شواهد أخرى على غنى القرم تركناها خشية الإطالة.
كانت القرم ولاية في دولة (آلتون أوردو) الجيش الذهبي التي أسسها أحد أحفاد جنكيز خان وهو باطو خان عام (1218م) وعندما دمر تيمور لنك هذه الدولة تفرقت إلى ثلاث (خانيات) كانت القرم واحدة منها، وقد تولى الحكم في خانية القرم عائلة كيراي (من عام 1427 إلى 1783) التي فطنت إلى خطورة روسيا على القرم فوقفت ضد توسعها، فحاصر محمد كيراي موسكو عام 1521م وأخضع حاكمها واسيلي وأجبره على دفع الجزية ثم فتح دولة كيراي موسكو عام 1571م ولكن الضعف دب في خانية القرم فبدأت اعتداءات الروس عليها.
في عام 1771م قتلت الجيوش الروسية 350 ألف قرمي، ولم تمهل كاترينا الثانية (1729-1769) إمبراطورة روسيا شاهيم كيراي (1777-1783) آخر حكام كيراي الذي حاول إعادة بناء القرم وتقويته وانتشاله من الضعف فبادرت بإرسال الجيوش الروسية بقيادة الجنرال بوتكمين عام 1783 لغزو القرم، يقول إدوارد دانييل كلارك وهو شاهد عيان على العدوان الروسي في القرم: "إنهم ـ أي الروس ـ هدّموا وأحرقوا القرم، كسروا الاشجار، خربوا المنازل والمساجد والأماكن العامة والقنوات، سرقوا أهل القرم ونهبوهم، وأظهروا السخرية بدينهم وبتقاليدهم، هدموا قبورهم ونبشوها".
لقد دخل بوتمكين إلى القرم وهو يحمل الصلاحية الكاملة لطرد شعب القرم بكامله، والقضاء على دينه وثقافته وتلاوة أمر الإمبراطورة كاترينا بإلحاق القرم بالإمبراطورية الروسية رغم التعهدات الشكلية التي وعدت بها الإمبراطورة بالمحافظة على كل حقوق الشعب القرمي.
ونتيجة لتطبيق السياسة الروسية الرامية إلى طرد الأتراك القرميين من بلادهم وتحويلهم إلى أجراء في أرضهم بعد سحب ملكيتها منهم وتركهم بلا عمل يتعيشون منه، بدأت الهجرات من القرم إلى تركيا حتى وصل عدد المهاجرين منهم قرب نهاية القرن التاسع عشر إلى مليون ومئتي ألف نسمة وحوّل الروس 830 مسجداً من مجموع (1556) لأغراض غير عبادية، يقول الجنرال الروسي ليفتسكي في مذكراته المنشورة عام 1879: "إن الحكومة الروسية لم تتخل - وهي في سبيل الوصول إلى المضايق والمياه الدافئة ـ عن اقتراح الأمير منشكوف الخاص بتهجير أتراك القرم إلى داخل روسيا وإلى الولايات الروسية البعيدة أيضاً".
وفي عام 1917 تم إعلان استقلال جمهورية القرم الشعبية إبان الثورة البلشفية، يقوم على إدارتها حكومة وطنية، لكن البلاشفة لم يكونوا جادين في إعطاء القرم الاستقلال، فقام 30 ألف من بلاشفة مدينة (أق يار) من جنود البحرية والعمال والذين لم يعترفوا بسلطة الحكومة الوطنية وبمساعدة الروس المهجرين إلى القرم من يهود وصقالبة بإسقاط الحكومة وإعدام رئيس جمهورية القرم جلبي نعمان جهان وإلقاء جثته في البحر، وقد غيّر الروس اسم المدينة إلى (سيفا ستبول).
وفي عام 1920 جرت ثلاثة أحداث: الأول، إعلان موسكو قيام جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي وعينوا لرئاستها بلشفياً قرمياً يدعى ولي إبراهيم، والثاني، حصول مجاعة في القرم أودت بحياة 60 ألف قرمي، والثالث ولادة الشاعر والروائي جنكيز ضاغجي.
ولكن مسلسل الأحداث المأساوية لم تقف عند هذا الحد ففي عام 1928 اعترض ولي إبراهيم وأعضاء حكومته القرمية على فكرة ستالين بإقامة دولة يهودية في القرم ونددوا بتدفق الهجرات اليهودية إليها فصدرت الأوامر من موسكو بإعدام رئيس جمهورية القرم وكل أعضاء حكومته وبإخماد الحركة الشعبية القرمية المعارضة.
واستمرت الهجرات اليهودية الروسية إلى القرم وعلى أثر الاعتراضات الوطنية على قرار ستالين أصدر ستالين أمره المشهور عام 1929 بنفي 40 ألف قرمي من بلادهم إلى منطقة (سفردلوفسك) في سيبيريا حيث معسكرات العمل الإجباري الشاق فمات الكثيرون منهم من الجوع والبرد حيث تصل درجة الحرارة في سيبيريا إلى 35-40 تحت الصفر.
وعندما اعترض محمد قوباي رئيس جمهورية القرم على سياسة التجويع التي اتبعها الروس تجاه بلاده نتيجة لاستيلاء موسكو على محاصيل القرم الزراعية وبيعها بالخارج نفاه الروس من بلاده عام 1933.
وعند احتلال الألمان للقرم في الحرب العالمية الثانية تعاون القرميون معهم ضد الروس فانتقم الجيش الأحمر ـ بعد هزيمة المانيا ـ من القرميين، ففي عام 1944 نفى الروس البقية الباقية من شعب القرم من بلاده إلى آسيا الوسطى وسيبيريا ومناطق الأورال.
يقول رئيس منظمة اللاجئين القرميين: "ظل كل فرد من شعب القرم في المناطق التي نفي إليها خاضعاً لمراقبة الشرطة ليلاً ونهاراً وخلال عشر سنوات".
أما بعد هذه السنوات العشر فقد خففت هذه المراقب بحيث سمحت السلطات السوفيتية بإمكان تغيير القرميين لأماكن إقامتهم وسكنهم بشرط ألّا يتعدى هذا التغيير حدود الولايات التي تم النفي إليها.
وبعد انتهاء الحرب اجتمع مجلس السوفيت الأعلى عام 1946 وأصدر قراره بإلغاء جمهورية القرم نتيجة لخيانة شعب القرم لدولة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية وتعاونه مع الألمان، وألحقت بلاد القرم بجمهورية أوكرانيا فاستولى الروس على هوية الأرض القرمية.
ورغم أن محاولة ستالين في إقامة دولة يهودية في القرم قد باءت بالفشل إلا أن هجرات اليهود والصقالبة الروس كانت تتزايد إلى القرم في الوقت الذي ينص القانون الروسي على تحريم عودة هذا الشعب إلى أرضه وكل من ينادي بعودة شعب القرم من منفاه إلى أرضه فإن مصيره الاعتقال، وكان ممن نادى بالعودة عالم الفيزياء النووية المشهور قاضي بيف، والمثقف القرمي مصطفى جميل الذي طالب بجرأة من السلطات السوفيتية عام 1978 السماح لشعب القرم بالعودة إلى بلاده لكن مصيره كان الموت تحت التعذيب.
كل هذه الاحداث شكّلت إرثاً تراجيدياً في نفس جنكيز أمين حسين ضاغجي فانعكست في أدبه وقد عايش جنكيز ـ مثل باقي شعبه ـ كثيراً من المآسي والويلات، فقد فتح عينيه وهو طفل على المجاعة الرهيبة التي حدثت في القرم نتيجة احتجاج القرميين على إصرار ستالين بإقامة دولة لليهود في القرم.
كان أبوه فلاحاً بسيطاً في (قيزيل طاش) إحدى قرى يالطا في القرم، وعندما بلغ جنكيز الثانية عشرة من عمره احتل الروس القرم وحولوا أصحاب الأراضي إلى عبيد في المزارع التعاونية، فشاهد بنفسه الأرض التي ولد وترعرع عليها تُنتزع من أبيه بالقوة، فأثر هذا الحادث كثيراً في نفسه وأخذ حيّزاً كبيراً في أدبه كانت نتيجته فيما بعد إلقاء القبض عليه ونفيه مع عدد كبير من أهل قريته بينهم أعمامه بموجب قرار حكومي حرم بقية أفراد أسرة جنكيز ضاغجي من العمل.
في تلك الظروف القاسية تلقى جنكيز تعليمه الابتدائي في قريته ثم الإعدادي في مدينة (أق مسجد) التي غير الروس اسمها إلى سيمفروبول، ثم التحق بمعهد التربية لكنه لم يكمل دراسته لتجنيده في الجيش الروسي عند قيام الحرب العالمية الثانية (1940)، بعد عام من بدء الحرب وقع جنكيز في أسر الألمان وبعد انتهاء الحرب استقر في لندن مع زوجته وابنته.
بدأ جنكيز رحلته مع الأدب بخوضه غمار الشعر فنشر في مجلتي (الشباب) و(الأدب) في القرم بين عامي 1936 ـ 1940 ثم بدأ يخوض عالم الرواية فبدأه برواية (السنوات الرهيبة) عام 1956 وقدمها مع رسالة يقول فيها: "أحمد الله إني تركي مسلم، وأقسم بالله بأن كل ما كتبته هنا إنما هو واقع حقيقة".
وقد صوّر جنكيز في هذه الرواية طموحات المسلمين في الاتحاد السوفيتي في الاستقلال ببلادهم من خلال اندفاعهم إلى الاشتراك في جيش تركستان لتحرير تركستان الغربية والقرم من الحكم السوفيتي، كما يصور جنكيز في هذه الرواية ما لاقاه هؤلاء التركستانيون والقرميون من العنت والتجويع لكن حبهم لبلادهم ولتحررها دفعهم الى الإقبال على التدريبات العسكرية العنيفة والأمل يراودهم في التحرر ورفع الراية التركية الإسلامية فوق أراضي المسلمين، كما صوّر أيضاً المحن التي شاهدها بنفسه في صباه وشبابه.
وقد تميّزت هذه الرواية وباقي روايات جنكيز بالواقعية التراجيدية أضفت على أعماله قوة تدفع القارئ إلى الإيمان بها، يقول عثمان قوجة قابلان في مجلة (حركت) عام 1979 إستانبول: "إن في روايات جنكيز ضاغجي أبعاداً عالمية مثل اكتساب صفة الثورة على الظلم وبحث الإنسان عن نفسه".
أما روايته الثانية (الرجل الذي فقد وطنه) 1957 فهي تصور تجنيد المسلمين في الجيش الروسي ثم وقوع الكثير منهم في معسكرات الأسر الألمانية وفيها يصوّر جنكيز الثنائية حول المحن التي لاقاها هؤلاء المسلمون في معسكرات الأسر الألمانية حيث اتضح للمسلمين إن الألمان لا يقلون عن الروس أذى ووحشية.
وحول تلذذ الألمان بمعاناة المسلمين في الأسر يقول: "الجندي الألماني يتلذذ من منظر تدافع هؤلاء الأسرى من أجل لقمة ألقاها هذا الجندي على الأرض".
كما سجل جنكيز كراهية اليهود للمسلمين، حيث يقول: "اليهود الأسرى يحاولون جر الأسرى المسلمين إلى الوقوع في عمليات تعذيب فظيعة نتيجة للمكر اليهودي والوقيعة بين إدارة المعسكرات وبين الأسرى المسلمين".
أما في روايتيه (هم أيضاً كانوا بشراً) عام 1958 و(هذه الأرض كانت أرضنا) عام 1966 فإن جنكيز قد خصصهما للتعبير عن محنة شعب القرم وفيها صور الحياة الاجتماعية ومعاناة القرميين من (المزارع التعاونية).
يقول الناقد التركي جلال ترا ايدين في مقدمة دراسته لرواية (هذه الأرض كانت أرضنا) لجنكيز ضاغجي ما يلي: "حدثت مصائب كبير ونكبات سواء للأشخاص أو المجتمعات لكني أظن أن أفدح النكبات هي نكبة شعب في وطنه، هي طرد شعب من أرضه التي عاش فيها هو وأجداده، هو منع هذا الشعب من العودة إلى أرضه مرة أخرى".
إن الحكام الذين نزعوا أصحاب الأرض الأصليين من ماضيهم، أصحاب الارض الذين قذفت بهم من الأرض التي أمضوا فيها أيامهم سعيدة كانت أم تعيسة، الأرض التي نشأوا وتزوجوا وأنجبوا الأولاد وأنجب الأولاد الأحفاد فيها هؤلاء الحكام لم يكونوا بمستطيعين أدراك فظاعة العمل الذي قاموا به وهم تحت تأثير أحقادهم المتراكمة، لكن الأتراك القرميين تمتلئ مآقيهم بالدموع عندما يتذكرون ماضيهم أما عندما يتذكرون أرضهم فانهم يطلقون من صدورهم آهة ويقولون في حزن عميق: (هذه الأرض كانت أرضنا).
وتتابعت روايات جنكيز التي تدور حول طموحات المسلمين في الاتحاد السوفيتي في استقلال بلادهم والحفاظ على عقيدتهم الإسلامية وعلى عنصرهم الذي عمل الروس على إذابته فتوالت رواياته حول هذه القضية فكانت روايته السادسة (الحياة في الكولخوز) عام 1966 ثم (العودة) عام 1968 و(الشاب تيموجين) عام 1979 و(الأطفال المشنوقون على أغصان شجر الموز) عام 1970 و(الشارع المصاب بالبرد) عام 1972.
إن لجنكيز شخصية أدبية مستقلة وطابعاً خاصاً في الرواية وهو من الأدباء الكبار الذين أنجبتهم روسيا وقد تأثر في بداية رحلته الأدبية بتولوستوي وديستويفسكي ونكراسوف وتورجينيف، وفي إداء يقارب الشعر شفافية يكثف جنكيز مشاعره نحو أرض وطنه السليب على لسان إحدى شخصيات روايته (هذه الأرض كانت أرضنا) فيقول: "حدثيني يا أرضي، أمعقول أن أترككِ وأذهب؟ أ لستِ أنتِ أرضي؟!! أجدادي ولدوا هنا.. نشأوا هنا.. عاشوا هنا.. ماتوا هنا.. كنتِ يا أرضي بواراً ففلحناكِ أجدادي وأنا، نظفنا ترابكِ.. انظري أي أرضي إلى يديّ الجافتين المشقوقتين هاتين لقد طهرتكِ من الحصى ومن الكلأ، طهرتكِ من الاعشاب وجعلتكِ جميلة مثل الجنة، لم تصدر مني شكوى ضدكِ، فكيف أشكو؟ وسعادتي تكون بقدر ما أصابني من جهد وإرهاق أثناء تطهيري لكِ وفلاحتي فيكِ كثيراً يا أرضي ما غرست بيديّ هاتين أغصان العنب والتبغ فيكِ، كنت أرويكِ يا أرضي بدموعي بينما كنتُ أدعو الله أن يمن عليكِ بالماء، حبات أعنابكِ يا أرضي عندي بمثابة حبات اللؤلؤ في الجنة وأوراق تبغكِ يا أرضي عندي بمثابة قطع الذهب لا رغبة في هذي الدنيا إلاك أنتِ.. أنتِ يا أرضي".
محمد طاهر الصفار