عناصر
الصراع
لأي صراع، فرديا كان أم مجتمعيا،
حضاريا ام عقائديا، أسبابه ودواعي استمراره، وغالبا ما تكون هذه
العناصر، الأرض والعرق والعقيدة.
الأرض
الصراع من أجل البقاء، غريزةٌ
استودعها اللهُ تعالى الإنسانَ للمحافظة على كيانه، وسلامة
أفراده، ودرء الأخطار التي تهدد وجوده، سواء كان ذلك على مستوى
الفرد أو الجماعة، وعلى هذا الأساس دأب الإنسان منذ بداية وجوده،
على أن يؤسس مملكته على رقعة معينة من الأرض، يبسط عليها نفوذه،
ويفرض سيادته، ويضفي عليها هالة من الحرمة والقداسة، ولا يسمح
للدخلاء من النيل منها وانتهاك حدودها، والعبث بمقدراتها، ينطبق
هذا القول على البيت والمدينة والوطن على حد سواء، لذا فنرى
الإنسان يقاتل من أجلها، ويستميت في الدفاع عنها، ولعل هذا هو
السبب الرئيسي لمعظم الصراعات والحروب التي شهدتها البشرية منذ
نشأتها ولفترات طويلة من الزمن.
العرق
انحدرت البشرية جميعا من ذكر واحد
وأنثى واحدة، ثم تكاثرت وتفرعت وتشعبت عبر آلاف من السنين، حتى
وصلت الى أكثر من سبعة مليارات نسمة، وهو ما عليه اليوم من إحصاء
لسكان الأرض الآن، فأصبحت قوميات وأعراقاً وشعوباً كثيرةً ((إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل)) (الحجرات -13)،
وبطبيعة الحال، وبالفطرة التي جُبِل عليها أبن آدم، يكون الإنسان
ميّالا دائما الى فصيلته التي انحدر منها، يفتخر بها، وينتصر لها،
ويدافع عنها، ولا يسمح بالتجاوز والتطاول عليها، وهو مستعد أن
يبذل من أجلها الغالي والنفيس، ولطالما شهدت البشرية صراعات
وحروبا قومية وعرقية، كانت غايتها الرئيسية الدفاع عن شرف ووجود
وتاريخ العرق الذي انحدر منه الإنسان.
العقيدة
تعتنق أغلب الشعوب على وجه الأرض
عقائد ودياناتٍ ومذاهبَ مختلفة، منها ما هو سماوي، جاء به
الأنبياء والرسل، كالديانات الثلاثة المعروفة، ومنها ما هو وضعي
منشؤه الإنسان نفسه، كالبوذية والهندوسية وغيرها، ومنها ما هو
معتقد فكري أو سياسي أو اقتصادي، كالشيوعية والرأسمالية
وغيرها.
والعقيدة وشيجة متينة ورابطة
قوية، قد تفوق رابطة العرق والدم والانتماء أحيانا، فقد شهدت
العقائد فيما بينها على مر الزمان تناحرات وصراعاتٍ وحروباً
مدمرة، أكلت الأخضر واليابس، دفعت البشرية من أجلها تضحيات كبيرة،
لا لشيء سوى الاختلاف في المعتقد.
إن كل اختلاف وصراع بين الأمم على
وجه الأرض، لا بد وأن يكون مردُّه الى أحد العناصر آنفة الذكر أو
بعضها، إذا لم تكن مجتمعة، ولنا في التاريخ الإنساني قديمه
وحديثه، شواهد وأدلة كثيرة.
مصطلح صراع
الحضارات
صراع أو صدام الحضارات هو مصطلح
عصري يشير الى مفهوم التصادم أو التنافس بين عدد من الثقافات
المختلفة، تسعى كل منها الى فرض نفسها وثقافتها لتهيمن على
الثقافات الأخرى، وقد ظهر هذا الصراع جلياً في الفترة التي تلت
الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، والتي انتهت بانهيار
الاتحاد السوفيتي سنة 1991م.
نظرية صراع
الحضارات
ثلاثة رجال أسهموا في تأسيس هذه
النظرية، هم الدكتور وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة،
الذي قدم شرحا مفصلا لمفهوم صراع الحضارات، وذلك سنة 1991م، في
لقاءه مع مجلة المرأة الألمانية، معتبرا حرب الخليج الثانية، هي
البذرة الأولى في هذا الصراع، ثم العالِم السياسي الأمريكي صامويل
هنكتنتون، صاحب أطروحة (صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام
العالمي) التي نشرها سنة 1993م، وجاءت نظريته هذه ردا مباشرا على
أطروحة تلميذه الياباني فرنسيس فوكو ياما (نهاية التأريخ والإنسان
الأخير)، وهذا الأخيرـ فوكو ياما ـ يُعتبر الشخص الثالث من مؤسسي
نظرية صراع الحضارات.
ما هي هذه
الحضارات؟
الحضارات المشار اليها في هذه
النظرية والموجودة حاليا، هي سبع حضارات:
- الحضارة الصينية.
- الحضارة اليابانية.
- الحضارة الهندية.
- الحضارة الإسلامية.
- الحضارة الغربية.
- الحضارة الأفريقية.
- حضارة أمريكا اللاتينية.
يقول صموئيل هنكتنتون في كتابه (صدام
الحضارات)، أن عالم ما بعد الحرب الباردة متعدد الأقطاب، يحكم
العلاقة بين حضاراته؛ الصدام القائم على أساس ثقافة وهوية
الحضارات، اذ أن الثقافة أو الهويات الثقافية ـ والتي هي على
المستوى العام هويات حضارية ـ هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ
والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة.
أما فرنسيس فوكو ياما؛ فقد تناول الصراع بين
الولايات المتحدة وفكرة الرأسمالية المتحررة من جهة، وبين الاتحاد
السوفيتي وأيديولوجية الشيوعية من جهة أخرى، ودام ذلك أكثر من
خمسة وسبعين سنة، وانتهى بفوز الرأسمالية؛ حسب ياما.
كما يقول فوكو ياما: "إن على
العالم أن يتقبل النظام الجديد بكل ما فيه من حرية، وإن أمريكا
بدأت تسطِّر نهاية التاريخ بعد تبنيها الفكر المتحرر والديمقراطية
والرأسمالية، وإن الذي يرفض أفكارها، يكون متخلفا بنظر العالم عن
الدول التي تسير بمحورها".
الإسلام وصراع
الحضارات
بما أن الحضارة الإسلامية هي إحدى
الحضارات الكبرى في العالم، ولها أهميتها التي لا تنكر، كونها
تمتلك مشروعا مستقبليا وديناميكيةً تؤهلها للبقاء والاستمرار في
خضم التيارات المتصارعة على الساحة العالمية، إذن لا بد أن يكون
لها دورها وحضورها في مضمار ما يسمى بـ "صراع الحضارات" في الزمن
الراهن.
الشرارة الأولى للصراع ... نهاية
الحرب الباردة
انفرد الغرب ـ المتمثل باللوبي
الذي تديره الولايات المتحدة الامريكية ـ بالساحة العالمية، بعد
انتهاء الحرب الباردة سنة 1991م، بعد ان كان الصراع قطبيا بين
قطبين نوويين متناحرين لا ثالث لهما، وهو القطب الغربي المتمثل
بالولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الأوربيين من جهة، والقطب
الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفيتي وأنصاره من الدول الشيوعية
آنذاك من جهة أخرى، وهذا الانفراد الغربي في الساحة العالمية،
أفرز حالة من حب الهيمنة وفرض الأمر الواقع على جميع حضارات
الأرض على الرغم من
انهيار الاتحاد السوفيتي، لا يعني ذلك اختفاء القدرة النووية
الشرقية من الوجود، فقد ظلت روسيا دولة نووية قوية، بمقدورها أن
تقف بمواجهة المعسكر الغربي لتدافع عن نفسها ووجودها، وان افتقدت
لمشروعها الحضاري.
عالمية الإسلام
الإسلام دين عالمي يتجاوز الحدود
والأطر المحلية والاقليمية ((وما أرسلناك الّا رحمة للعالمين))
(الأنبياء-107)، وقد جعله الله سبحانه وتعالى آخر الأديان، ليسند
اليه قيادة العالم بأسره في آخر الزمان ((ونريد أن نَمُنَّ على
الذين استُضعِفوا في الأرضِ فنجعَلَهم أئمةً ونَجعلهمُ الوارثين))
(القصص-5)، وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الإسلام سيقود
العالم في نهاية المطاف، وأن قائده سيكون إماما، يرث الأرض وما
عليها، بجعلٍ من الله تعالى.
وتدرك الحضارة الغربية ذلك الشيء
وربما اعتبرته خطرا، فأستبطن رد فعلها موقفا مضادا وربما معاديا
للإسلام، بما يقوض المشروع الإسلامي يحد من دوره الفاعل، خصوصا
وأنه بدأ بالتوسع المضطرد بين أوساط المجتمع الأمريكي والأوربي،
ما جعلها ـ الحضارة الغربية ـ تختلق الحجج والذرائع للوقوف بوجه
هذا التيار الذي أخذ يشكل مقبولية لدى افراد مجتمعهم، فراحت تحوك
له المؤامرات والدسائس، وليس آخرها اختلاق ما يسمى بالقاعدة ثم
داعش.
كشف المستور
ليس خفيا ملاحظة ما يصدر عن بعض
الساسة في الغرب، من دعوات صريحة وعلنية لتأجيج الصراع الحضاري
بين الغرب من جهة والإسلام من جهة أخرى؛ فبين من يوسمها بالدينية،
"سنشنها حربا صليبية" وبين من يؤكد على ان الحرب لا تتوقف الا بعد
أن :"يصبح كل عربي ومسلم مجردًا من السلاح، وحليق الوجه، وغير
متدين، ومسالمًا ومحبًّا لأمريكا، ولا يُغطى وجه المرأة"، وبين من
يقول بأن :"إن الصراع الحقيقي في الشرق ليس بين العرب واليهود،
إنما الصراع الحقيقي هو ما بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب، فإذا
استطعنا أن نزيح حضارة الإسلام عن ميدان الصراع هان علينا تصفية
القضية، وسهل علينا الجمع ما بين العرب
واليهود".
هذه وأشياء أخرى، تثبت أن لمفهوم
صراع الحضارات من يديم زخمه بسكب الزيت على النار؛ إضعافا للمشروع
الإسلامي والحد من نشاطه، وربما القضاء عليه، وأحراق مشروعه
الوسطي المعتدل بدواعي التطرف فيه حتى وأن كان هذا التطرف من
صناعة الدوائر الغربية، في وقت يثبت في المسلمين ـ باستثناء من
حسب عليهم زورا وبهتانا ـ انفتاحهم على الجميع بدعوة دائمية لحوار
الحضارات وتلاقحها، واقل دليل على ذلك، قبولهم ـ المسلمين ـ لما
يحتكم اليه المجموع الإنساني عبر المنظمات الدولي التي تشكل الدول
الإسلامية فيها وجودا وحضورا مميزين.
سهيل نجم الخزاعي