الشيخ معتصم السيد أحمد
هناك تحوّل عميق يجري في وعي الإنسان المعاصر، لا يتعلق فقط بما يعرفه، بل بكيفية معرفته. فالمسألة لم تعد محصورة في امتلاك المعلومة، بل في طريقة تشكّل "الحقيقة" نفسها داخل ذهن الإنسان. في العصور السابقة، كانت الحقيقة - على الأقل في صورتها المثالية - ترتبط بالبرهان، وبالتجربة، وبالنقاش المعرفي الذي يميّز بين الصحيح والخاطئ. أما اليوم، فقد دخل عنصر جديد أعاد صياغة هذا المفهوم من جذوره: البيئة الرقمية.
في هذا العالم الجديد، لم تعد الحقيقة تُبنى فقط على قوة الدليل، بل على قوة الانتشار. ما يُتداول بكثرة، يُرى كثيراً، وما يُرى كثيراً يُؤلَف، وما يُؤلَف يُصدَّق. هذه السلسلة لم تأتِ نتيجة مؤامرة بالضرورة، بل نتيجة طبيعية لطبيعة المنصات الرقمية التي تعمل وفق منطق التفاعل، لا وفق منطق الحقيقة. فالخوارزميات لا تسأل: هل هذا صحيح؟ بل تسأل: هل هذا مثير؟ هل يُشاهد؟ هل يُشارك؟
وهنا يبدأ التحول الخطير: الحقيقة لم تعد تُقاس بميزان الدقة، بل بميزان الظهور. ومع الوقت، يتشكل وعي جديد لا يميز بين ما هو "صحيح" وما هو "شائع"، لأن الشيوع نفسه أصبح دليلاً ضمنياً على الصحة.
هذه البيئة لا تغيّر فقط ما نراه، بل تغيّر كيف نفكر. الإنسان الذي يتعرض يومياً لنفس الفكرة، بصيغ مختلفة، ومن مصادر متعددة، يبدأ في التعامل معها كحقيقة، حتى لو لم يفحصها. التكرار هنا لا يعمل على مستوى الإقناع المنطقي، بل على مستوى الألفة النفسية. ما يتكرر يصبح مألوفاً، وما هو مألوف يبدو صحيحاً.
وهذا يقود إلى ظاهرة يمكن تسميتها بـ"تطبيع الأفكار". أفكار كانت تُعدّ غريبة أو مرفوضة، تصبح مع الوقت عادية، لا لأن البرهان تغيّر، بل لأن التكرار غيّر الإحساس بها. وهنا، لا يعود الصراع حول الحقيقة صراعاً معرفياً فقط، بل صراعاً على المساحة الذهنية التي تحتلها الفكرة.
في هذا السياق، يتأثر الوعي الديني بشكل خاص، لأنه بطبيعته يعتمد على مفاهيم مثل اليقين، والثبات، والمرجعية. لكن حين يعيش الإنسان في بيئة تتغير فيها "الحقائق" بسرعة، ويُعاد تشكيلها باستمرار، يبدأ هذا الثبات في الاهتزاز. ليس لأن الدين فقد منطقه، بل لأن البيئة التي يتشكل فيها الوعي لم تعد تسمح بالهدوء اللازم للتفكير العميق.
فالمتلقي اليوم لا يعيش مع الفكرة، بل يمرّ عليها. لا يمنحها وقتاً للفحص، بل يستهلكها كما يستهلك أي محتوى آخر. وهذا النمط من التلقي يضعف القدرة على التمييز، لأن التمييز يحتاج إلى بطء، بينما البيئة الرقمية تقوم على السرعة.
ومن هنا، لا يكون التحدي الحقيقي هو وجود أفكار مخالفة، فهذا أمر قديم، بل في الطريقة التي تُعرض بها هذه الأفكار، وفي الكثافة التي تُضخ بها. فالفكرة حين تُعرض مرة، يمكن مناقشتها، لكن حين تُعرض آلاف المرات، تصبح جزءاً من الخلفية الذهنية، حتى لو لم تُقبل بالكامل.
وهذا يفسر لماذا يشعر بعض الناس اليوم بتذبذب في قناعاتهم، رغم أنهم لم يمروا بتجربة فكرية عميقة. السبب ليس أنهم غيّروا أفكارهم عن وعي، بل لأن البيئة أعادت تشكيل إحساسهم بما هو "طبيعي" و"مقبول".
ومن الزوايا المهمة في هذا التحول، أن الخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد تشكيل العالم الذي يراه الإنسان. فهي تقدم له ما يشبهه، ما يتفق مع اهتماماته، ما يثير تفاعله. ومع الوقت، يعيش الإنسان في "فقاعة" فكرية، يظن فيها أن ما يراه هو الواقع كله، بينما هو في الحقيقة جزء منتقى منه.
هذه الفقاعة تعزز القناعات، لكنها في الوقت نفسه تضعف القدرة على مراجعتها. لأن الإنسان لا يرى إلا ما يؤكد له ما يعتقد، فيزداد يقيناً دون اختبار حقيقي. وفي المقابل، حين يخرج من هذه الفقاعة ويواجه آراء مختلفة، قد يشعر بصدمة، لا لأنه لم يسمع بها من قبل، بل لأنه لم يتدرب على التعامل معها.
في هذا المناخ، يتغير مفهوم "الحجة" نفسه. لم تعد الحجة هي ما يُقنع عقلاً هادئاً، بل ما ينجح في جذب الانتباه. ولهذا، تنتشر المقاطع القصيرة، والعبارات الحادة، والاختزالات السريعة، لأنها تناسب إيقاع المنصات. لكن هذه الصيغة، رغم فعاليتها في الانتشار، تضعف العمق، وتُنتج فهماً سطحياً، حتى في القضايا العميقة.
والأخطر من ذلك، أن هذا النمط قد يتسلل إلى الخطاب الديني نفسه. فيتحول من خطاب يطلب الفهم، إلى خطاب ينافس على الانتباه. ومن خطاب يبني الوعي، إلى خطاب يبحث عن التفاعل. وهنا، لا يفقد الدين حقيقته، لكن طريقة عرضه قد تفقده عمقه.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل الحقيقة موجودة؟ بل: كيف نصل إليها في بيئة تعيد تشكيلها باستمرار؟ هذا السؤال يعيدنا إلى ضرورة إعادة بناء أدوات الفهم، لا فقط إعادة تأكيد القناعات.
فالإنسان اليوم يحتاج إلى نوع جديد من الوعي، وعي لا يكتفي بتلقي المعلومة، بل يسأل: من أين جاءت؟ لماذا تُعرض بهذه الطريقة؟ ما الذي يجعلها تنتشر؟ هل انتشارها دليل على صحتها، أم على قابليتها للتداول؟
هذا النوع من الأسئلة يعيد الإنسان إلى موقع الفاعل، لا المتلقي. يجعله يشارك في تشكيل وعيه، بدلاً من أن يُشكَّل له. وهذا مهم بشكل خاص في المجال الديني، لأن الإيمان الذي يتشكل تحت ضغط البيئة، دون وعي، يكون أكثر عرضة للتذبذب.
وفي المقابل، فإن الإيمان الذي يُبنى على فهم، وعلى تجربة واعية، يكون أكثر ثباتاً، لأنه لا يعتمد على ما يُعرض، بل على ما يُدرك. وهذا لا يعني الانعزال عن العالم الرقمي، بل التعامل معه بوعي، دون أن يُسمح له بإعادة تعريف الحقيقة بالكامل.
إن التحدي الحقيقي الذي يفرضه العصر الرقمي ليس في كثرة المعلومات، بل في ضياع المعايير. حين تختلط الحقيقة بالرأي، والبرهان بالانتشار، يصبح الإنسان في حاجة إلى مرجعية داخلية تعيد له التوازن. وهذه المرجعية لا تُبنى تلقائياً، بل تحتاج إلى تربية، وإلى تدريب على التفكير، وإلى وعي بطبيعة هذا العصر.
وفي النهاية، يمكن القول إن العصر الرقمي لم يُلغِ الحقيقة، لكنه جعل الوصول إليها أكثر تعقيداً. لم يعد الطريق إليها يمر فقط عبر المعرفة، بل عبر الوعي بكيفية تشكّل المعرفة نفسها. وهذا التحول يفرض على الإنسان - وخاصة في وعيه الديني - أن ينتقل من مجرد التلقي إلى الفهم، ومن الاستهلاك إلى التدبر، ومن الانفعال إلى الوعي.
وحين يتحقق هذا الانتقال، لا يعود الإنسان أسير ما يُعرض عليه، بل يصبح قادراً على التمييز، وعلى إعادة بناء علاقته بالحقيقة، لا كما تُقدَّم له، بل كما يبحث عنها هو.