الشيخ مصطفى الهجري
يقرأ كثيرٌ من الناس التاريخ سلسلةً من الحوادث المتفرقة: انتصارٌ هنا، وهزيمةٌ هناك، ودولٌ تقوم ثم تزول بلا تفسير. لكنّ القرآن الكريم يقدّم قراءةً أخرى، فيقرّر أن وراء هذه الحوادث قوانين ثابتة: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. ثم يؤكّد ثباتها: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
بل يجعل القرآن للأمة عمرًا كما للفرد عمر: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. فللمجتمع حياةٌ وموتٌ تحكمهما قوانين تتجاوز أعمار أفراده.
والقرآن بذلك يرفض قراءتين شائعتين للتاريخ: قراءةً ترى فيه مصادفاتٍ متراكمة لا يجمعها قانون، وقراءةً استسلامية تُحيل كلّ ما يصيب الأمة إلى القضاء والقدر، فتُعفي الناس من مسؤوليتهم. فما هذه السنن؟ وكيف تعمل؟ ولماذا تنهض أمةٌ وتسقط أخرى؟
كيف تعمل هذه القوانين؟
قد يقرأ المسلم آيات السنن فيظن أنها تعمل لصالحه تلقائيًا، أو يرى ظالمًا يزداد قوةً فيشكّ في وجودها أصلًا. والقرآن يُزيل الوهمين معًا بثلاثة أمور.
أولًا: السنن لا تحابي أحدًا. فهي لا تنحاز إلى أمةٍ لأنها تحمل اسم الإسلام: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]. فمن أخذ بأسباب القوة نالها، ومن أهملها خسرها، أيًّا كان انتماؤه.
ثانيًا: التغيير يبدأ من الداخل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فواقع المجتمع يتبع ما في نفوس أبنائه من أفكار وقيم وإرادة. ولذلك لا تُلغي السنن حرية الإنسان، بل تؤكّد مسؤوليته؛ فهي، كما يعبّر الشهيد السيد محمد باقر الصدر، «لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي ولا تعطّل فيه إرادته وحرية اختياره» [السنن التاريخية في القرآن]. وهذا ينسجم مع المبدأ الذي قرّره الإمام الصادق (عليه السلام) في أفعال العباد: «لا جبر ولا تفويض، ولكن أمرٌ بين أمرين». (الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ص160، ح13).
ثالثًا: السنن تعمل على مدى أطول من أعمارنا. يسأل كثيرون: لماذا يبقى الظالم قويًا سنوات؟ والجواب أن من السنن الإمهال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [النحل: 61]. والإمهال قد يكون استدراجًا لا رضًا، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كم من مستدرَجٍ بالإحسان إليه، ومغرورٍ بالستر عليه، ومفتونٍ بحسن القول فيه، وما ابتلى الله أحدًا بمثل الإملاء له» (نهج البلاغة، باب المختار من حِكَمه (ع)، الحكمة 116). فتأخّر النتيجة لا يعني غيابها.
أسباب النهوض: الإيمان والألفة والتعاون
أول ما يربط به القرآن ازدهار الأمم هو الإيمان والتقوى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. ويلفت العلامة الطباطبائي إلى أن الآية تربط فتح أبواب البركات بإيمان أهل القرى جميعًا وتقواهم. (الميزان في تفسير القرآن، ج8، ص195)؛ فالحديث هنا عن سنّةٍ اجتماعية تتعلق بحال المجتمع كله، لا عن جزاءٍ فرديٍّ فحسب.
وقدّم أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة منهجًا متكاملًا لقراءة التاريخ. فهو يدعو أولًا إلى المقارنة بين حالَي الأمم: «واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثُلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم». ثم يستخرج القانون: «فالزموا كلّ أمرٍ لزمت العزّة به شأنهم، وزاحت الأعداء له عنهم، ومدّت العافية به عليهم... من الاجتناب للفرقة، واللزوم للألفة، والتحاضّ عليها، والتواصي بها». (نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح، الخطبة 192).
ثم يحدّد ما يهدم الأمم من داخلها: «واجتنبوا كلّ أمرٍ كسر فِقرتهم، وأوهن مُنّتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي» (المصدر نفسه). فالإمام لا يكتفي بالوعظ، بل يقرأ التاريخ قراءةً سُننيّة: الألفة والتعاون طريق العزّة، والتباغض والتخاذل طريق الانكسار. وهذا عين ما قرّره القرآن: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
أسباب السقوط: الظلم والترف وترك الإصلاح
الظلم. يقرّر القرآن أن الهلاك لا ينزل بأمةٍ يسعى أهلها في الإصلاح: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. ويختصر أمير المؤمنين (عليه السلام) سرّ هلاك الأمم في كتابه إلى أمراء الأجناد: «فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحقّ فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه»( نهج البلاغة، الكتاب 79). فحين يُحرَم الناس حقوقهم حتى يشتروها بالرشوة، ويُساقون إلى الباطل حتى يألفوه، تبدأ الأمة رحلة السقوط.
ووصل ابن خلدون بعد قرون إلى النتيجة نفسها، فعقد في مقدمته فصلًا عنوانه «في أن الظلم مؤذِنٌ بخراب العمران». ونبّه فيه إلى أن الظلم لا يقتصر على أخذ المال أو الملك بغير حق، بل «الظلم أعمّ من ذلك» (المقدمة، الباب الثالث، الفصل الثالث والأربعون)؛ فيدخل فيه من فرض على الناس ما لم يفرضه الشرع، ومن منعهم حقوقهم.
الترف. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]. فالترف حين يتحوّل إلى ثقافةٍ سائدة، يُضعف روح المسؤولية، ويُفسد النخبة التي يُفترض أن تقود.
ترك الأمر بالمعروف. حين يسكت المجتمع عن الخطأ، يسلّم قياده لأسوأ أفراده. وفي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) الأخيرة لولديه: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولَّى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم» (نهج البلاغة، الكتاب 47). وهنا يظهر القانون في أوضح صوره: السكوت عن المنكر شرط، وتسلّط الأشرار نتيجته.