رجوع
لو عشنا إلى الأبد.. هل تفقد الحياة معناها؟ (رؤية إسلامية في مواجهة العدمية)

لو عشنا إلى الأبد.. هل تفقد الحياة معناها؟ (رؤية إسلامية في مواجهة العدمية)

الشيخ مصطفى الهجري

هناك مشهد يتكرر في العديد من الأفلام السينمائية يجسد رؤية الكاتب العدمية، حينما يتسنى للإنسان فرصة الخلود، فتراه يعيش حالة الاكتئاب ويتمنى الموت، هذا الشعور الناشئ من فقدان الحياة للمعنى، وحينئذ تصاب النفس بالخواء ولا تشعر بطعم وقيمة الحياة. وقد جسد هذا المعنى ببراعة الفيلسوف والكاتب الفرنسي البير كامو في كتابه "اسطورة سيزيف" وهي اسطورة اغريقية قديمة تحكي أن سيزيف كان رجلا ذكيا وماكرا جدا، استطاع أن يخدع إله الموت "ثانتوس" حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، وما إن جربها إله الموت حتى قام سيزيف بتكبيله، وحين كبل سيزيف إله الموت منع بذلك الناس أن تموت.

أغضب هذا الأمر الآلهة الأوليمبية فأصدروا عليه حكما بأن يعيش حياة أبدية على أن يقضي سيزيف هذه الأزلية في عمل غير مجدٍ، ألا وهو دحرجة صخرة صعودًا إلى جبل حتى تعود للتدحرج نزولا من جديد، مرارا وتكرارا، وبلا نهاية.

يتساءل كامو: هل يمكن أن تحل بالإنسان حياة عبثية أكثر، من حياة عبثية كهذه؟ أوليست حيواتنا التي نحياها في هذا العالم تشبه إلى حد كبير هذا الشقاء الذي حُكم على سيزيف به؟ ذلك الروتين اليومي الذي نعيشه وتلك الاعمال التي نكررها كل يوم دوم غاية تذكر أو هدف نصل إليه؟ ثم تطرح علينا هذه الأسطورة تساؤلاً آخر وهو ألا يمثل الموت في هذه الحالة خلاصاً للإنسان من هذا الضجر السرمدي؟

تصبح الحياة في نظر هؤلاء "عبثيةً محضة" تشبه أسطورة سيزيف الذي يدفع صخرة ثقيلة صعوداً إلى قمة الجبل، لتعود فتتداول إلى الأسفل في دائرة لا نهائية من التعب العبثي بلا غاية.

الخلل في هذه الرؤية أنها تجرّد هذا الموقف الإنسان من كل أمل حقيقي، وتسوي بين الفضيلة والرذيلة، فإذا كانت الحياة عبثية ولا معنى لها، فلماذا نعمل الخير وننبذ الشر؟! 

في قبال الرؤية العدمية لكامو والفرنسي الآخر جان بول سارتر تطرح الوجودية الدينية المستندة الى اللاهوت المسيحي واليهودي، فقد حاول بعض المفكرين المسيحيين (مثل سورين كيركغور) انتشال الإنسان من مستنقع العدمية، فأقروا بأن هذا العالم مادي وعبثي، وأن العقل والعلم عاجزان عن إيجاد معنىً للحياة، وحتى يكون لها معنى لا مفر للمؤمن إلا أن يقوم بـ "قفزة إيمان" عاطفية عمياء، يعانق فيها الدين بمعزل عن العقل والبرهان.

الخلل في هذه الرؤية أنها تكرّس هذا الطرح قطيعةً اصطناعية بين العقل والإيمان، ويجعل الدين مجرد ملجأ نفسي ذاتي للهروب من قسوة الواقع، لا حقيقةً موضوعية متسقة مع قوانين الكون والعقل.

موقف الإسلام: التوازن المنيع بين العقل والغاية الإلهية

هنا تبرز فرادة المنظور الإسلامي؛ فهو لا يطلب من الإنسان تجميد عقله، ولا يقرّ بعبثية الوجود، بل يطرح رؤية متكاملة تشدّ أواصر الوجود الدنيوي بالغاية الأخروية الكبرى.

فيرفض الإسلام جملةً وتفصيلاً الفكرة القائلة بعبثية الخلق أو بطلانه، ويقرر أن كل ذرة في الكون مسخرة لغاية حكيمة، يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون: 115.

ويقول جلّ شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ص: 27.

المعنى في التصور الإسلامي ليس شعوراً ذاتياً عابراً، بل هو مسار عملي متكامل؛ فالدنيا ليست دار عبث ولا دار خلود، بل هي "مزرعة" ومعبر لاختبار الإرادة وتبلور المعادن الإنسانية، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الملك: 2.

وفي وصف بليغ لحقيقة هذه الدار وتوازنها العجيب، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللَّهِ، وَهَبْطُ وَحْيِ اللَّهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ» (عيون الحكم و المواعظ: 144، لعلي بن محمد الليثي الواسطي)

فقد أصحر القرآن بغاية الله سبحانه من خلق الإنسان بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة: 30، أي أنه خلقه ليستخلف الله تعالى في الأرض، لكن ما معنى الاستخلاف؟

الاستخلاف هي حكاية المستخلف بأسمائه وصفاته وكل شؤونه الوجودية، أي أن يكون الانسان على صورة الله سبحانه وتعالى، فيتشبه بصفاته، فالغاية إذن من خلق الإنسان هو أن يصل الى كماله الذي خُلق من أجله، وقد بين القرآن ذلك بقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) الطلاق: 12 .

هذه الآية تبين الغاية العظمى والمعنى الأكبر الذي يمكن أن يُتصور للحياة، فأي معنى يمكن أن يكون أكبر من أن يشبه الانسان خالقه العظيم حتى يصير الانسان نفسه بمرتبة القادر على كل شيء والعالم بكل شيء، فالآية تبين أن الانسان السائر وفق منهج التكامل الروحي الذي رسمته السماء سيصل الى هذه المرتبة ويكون تجلياً وحاكياً لله تعالى بقدرته وعلمه، فالغاية أن "يعلم الانسان" وهو نوع من العلم ليس من سنخ العلم التحصيلي الكسبي الذي نحصل عليه من طريق البحث والقراءة، وإلا لأصبح تحصيل الغاية والكمال النهائي أمراً ميسوراً حتى للملاحدة والمشركين، بل لكان إبليس لعنه الله من أكمل الخلق، وإنما هو علم لدني يقتضي قدرة التصرف في الكون.

هذه الرؤية لا تعطي معنى عظيماً للحياة فحسب بل تجعل الأبدية والخلود موجباً لسعادة الانسان وزيادة كماله اللامتناهي، ففوق كل ذي علم عليم، فالرحلة لا تنتهي بنقطة معينة، وإنما يسعى الانسان للتشبه بالله سبحانه ولا يصل الى النهاية إذ أن كماله تعالى فوق ما لا يتناهي بما لا يتناهى.

في الفلسفات المادية، يتبدد جهد الإنسان بموته وتنساه الذاكرة الجماعية للبشرية، أما في الميزان الإلهي، فإن أصغر ذرة خير أو شر ينجزها الإنسان محفوظة بدقة وموضوعة في موضعها الحق، يقول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الزلزلة: 7-8.

الخلاصة:

العدمي: يعيش حياته أسيراً للقلق والخواء الروحي، إذ تنعدم لديه البوصلة التي تمنح آلامه وسعيه أيّ معنى.

والوجودي الغربي: يتلمس المعنى عبر التمرّد على العقل واللجوء إلى تسليم عاطفي مجرد.

بينما المسلم: يعيش متزناً مطمئناً؛ فهو يدرك يقيناً أن معاناته وجهده وسعيه لا تذهب هباءً، وأن كل خطوة يخطوها بإخلاص هي لبنة في بناء مصيره الخالد.

إن الإيمان الحق في الإسلام ليس قفزةً في المجهول، بل هو الاستجابة الأصيلة لنداء العقل والفطرة معاً، وهو الملاذ الأوحد الذي يمنح الإنسان السكينة العميقة والغاية السامية التي لا تزول.

مشاركة: