رجوع
سراب الشهرة وصناعة الإنجاز: معادلة النجاح بين العلم وتوجيهات الوحي.

سراب الشهرة وصناعة الإنجاز: معادلة النجاح بين العلم وتوجيهات الوحي.

الشيخ مصطفى الهجري

الشباب مرحلة تتوهج فيها الطموحات وتتسع فيها آفاق المستقبل، وفي هذا الميدان المليء بالتحديات، لا يحتاج الإنسان إلى قدرات خارقة بقدر حاجته إلى بوصلة داخلية تهديه، وإرادة صلبة تحميه من عواصف الإحباط. لقد رسم لنا القرآن الكريم، وتوجيهات أهل البيت (عليهم السلام)، مساراً واضحاً لبناء شخصية متزنة، قادرة على تحويل العقبات إلى درجات للارتقاء، جاعلين من العمل والإخلاص والبيئة الصالحة أركاناً لا غنى عنها لأي إنجاز حقيقي.

قدسية السعي: الجهد يتفوق على العبقرية

يقع الكثير من الشباب أسرى لوهم "العبقرية الفطرية"، معتقدين أن الإبداع والإنجازات الكبرى محجوزة سلفاً لفئة قليلة وُلدت بذكاء استثنائي. غير أن المنهج الإلهي يحطم هذه الأسطورة، ليجعل المدار الحقيقي للتفاضل والنجاح هو "الجهد والسعي". فالسماء لا تمطر إنجازات، بل تبارك الساعين المتعبين؛ وهو ما يتجلى بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾. إن قطرات الجهد المتواصلة قادرة على شق صخرة المستحيل، وفي هذا السياق يضع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قاعدة ذهبية لتقييم الإنسان بقوله: «قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ». نهج البلاغة - الحديث 61, الكتاب 3, الباب47.

وما يثير التأمل أن التجربة الإنسانية والعلمية تقف مؤيدة لهذه الحقيقة القرآنية. فعالم الأعصاب الشهير سانتياغو رامون إي كاخال يؤكد في توجيهاته للباحثين الشباب أن المثابرة والتركيز يتفوقان غالباً على الموهبة الفطرية، قائلاً إن «بإمكان أي إنسان، إذا امتلك الإرادة الكافية، أن يكون نَحّاتَ دماغِه». (نصائح إلى باحث شاب: سانتياغو رامون إي كاخال)، ويشير كاخال إلى أن الاكتشافات العظيمة ليست حكراً على أصحاب الذكاء الخارق، بل يقطف ثمارها أولئك الذين يتسلحون بالصبر والعمل الجاد المستمر.

سراب الشهرة: جذور الإحباط والانهيار النفسي

في طريق إثبات الذات، قد ينزلق الشاب نحو فخ التشتت، والغرور، والسعي المحموم وراء الشهرة. إن الشاب الذي يربط قيمته بالتصفيق السريع أو التقدير العاجل من الآخرين، يبني طموحه على رمال متحركة؛ وسرعان ما ينهار نفسياً عند أول انتقاد يوجه إليه أو فشل تجريبي يواجهه.

لقد عالج القرآن الكريم هذه الآفة بربط غاية العمل بمرضاة الله، وتحصين النفس من شهوة التعالي في الأرض: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وعندما يتجرد الشاب من طلب الشهرة، يكتسب مناعة نفسية هائلة. يصف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هذه الصلابة بقوله: «إنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلى جَميعِ أحوالِهِ، إن نابَتهُ نائِبَةٌ صَبَرَ لَها، وإن تَداكَّت عَلَيهِ المَصائِبُ لَم تَكسِرهُ». (مسند الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد، ج 21، ص 470)، كما يحذر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) من الغرور الذي يعمي البصيرة قائلاً: «لا يَكونُ العَبدُ عالِماً حَتّى لا يَحسُدَ مَن فَوقَهُ، ولا يَحقِرَ مَن دونَهُ». (مسند الإمام علي، ج10، ص248).

البيئة الحاضنة: درع الإرادة المتين

إن الحفاظ على هذه الروح الوثابة يتطلب حاضنة تحميها من عوامل اليأس والهدم. فالإنسان يتأثر بمن حوله، ومرافقة المحبطين أو السطحيين تستنزف طاقة الشاب وتطفئ شعلته. من هنا، جاء التوجيه القرآني العظيم ليؤكد ضرورة أن يحيط الإنسان نفسه ببيئة مشجعة وداعمة، تذكره بأهدافه السامية وتقوي عزيمته، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

هذه الصحبة الصالحة والبيئة الداعمة هي التي أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمته الجامعة المانعة: «جَليسُ الخَيرِ نِعمَةٌ». (ميزان الحكمة، ج2، ص 63)، فالصديق الداعم والزميل المخلص هما السند الذي يتكئ عليه الشاب حين تضعف قواه، وهما المرآة التي تعكس له طريق الصواب متى ما أضاعه. حين يتسلح الشاب بسعي لا يكل، ونية خالصة متجردة من الغرور، ويحتمي ببيئة خيرة تدفعه للأمام، فإنه يبني مجداً لا تهزه رياح الإحباط، ويترك أثراً باقياً لا تمحوه الأيام.

مشاركة: