رجوع
استبداد الترفيه: أغنياء يقرأون وفقراء يتسلون: كيف تصنع الشاشات طبقات المجتمع؟

استبداد الترفيه: أغنياء يقرأون وفقراء يتسلون: كيف تصنع الشاشات طبقات المجتمع؟

الشيخ مقداد الربيعي

على مدى تاريخ البشرية الطويل، كان الإنسان يقضي جلّ يومه في العمل الشاق من شروق الشمس حتى مغيبها لتأمين قوت يومه، ولم يكن يمتلك رفاهية ما نسميه اليوم بـ "وقت الفراغ". ولكن مع الثورة الصناعية ثم التكنولوجية، حققت البشرية انتصاراً تاريخياً مذهلاً في تقليص ساعات العمل. لغة الأرقام تخبرنا بوضوح أن ساعات العمل السنوية للفرد انخفضت من نحو 3000 ساعة في القرن التاسع عشر، إلى حوالي 1500 ساعة أو أقل في عصرنا الحالي.

هذا التحول الجذري منح الإنسان المعاصر فائضاً زمنياً هائلاً يقدر بأكثر من 40 ساعة من "الوقت الحر" أسبوعياً. وفقاً للتوقعات التاريخية، كان يُنتظر أن يُثمر هذا الفراغ العظيم نهضةً كبرى في التكوين الذاتي، والإبداع الفني، والتأمل، وتوطيد الروابط الاجتماعية والأسرية. لكن الواقع الإحصائي كشف عن كارثة صامتة: لقد ابتلعت صناعة الترفيه السلبي هذا الفراغ بالكامل، لتتحول أعظم نعمة زمنية حظيت بها البشرية إلى أداة للهدم والتسطيح.

هذه المفارقة المدوية هي المنطلق الذي يؤسس عليه عالم الاقتصاد الفرنسي "أوليفييه بابو" كتابه العميق "استبداد الترفيه" (La tyrannie du divertissement). يفكك بابو في كتابه آليات ما يُعرف بـ "اقتصاديات الانتباه"، مستنداً إلى الجذور الفلسفية لمفهوم "الترفيه" عند الفيلسوف الفرنسي "باسكال"، الذي رأى أن شقاء الإنسان ينبع أساساً من عجزه عن الجلوس ساكناً في غرفته بمفرده، مما يدفعه للهروب المستمر نحو الملهيات هرباً من مواجهة ذاته.


الفجوة الطبقية الجديدة: كيف تعيد الشاشات إنتاج الفقر؟

لإدراك حجم الكارثة، يقيم بابو تمييزاً محورياً بين نوعين من قضاء الوقت: الأول هو "اللهو الذي يُغني"؛ كالقراءة، والمجالسة الأسرية، والعبادة، وتطوير المهارات، وممارسة الرياضة. وهو وقت يُستثمر، ويترك أثراً إيجابياً يتراكم بمرور الزمن. أما الثاني فهو "الترفيه الذي يُفقر"؛ والمتمثل في الاستهلاك الإدماني السلبي للمحتوى السطحي، والذي يعزل الفرد ويستنزف طاقته وعمره. وتؤكد الإحصاءات أن المواطن العادي بات يقضي في المتوسط ما بين 4 إلى 5 ساعات يومياً مشدوداً إلى الشاشات في حالة من التلقي السلبي المطلق.

ولكن النقطة الأشد خطورة، والتي يطرحها الكتاب وتمثل جوهر أطروحته، هي أن هذا التباين في استخدام أوقات الفراغ خلق "تفاوتاً اجتماعياً جديداً وخفياً". لم يعد الفقر والغنى يُقاسان بحجم الرصيد البنكي فحسب، بل بطريقة إنفاق "رأس المال الزمني".

هنا تبرز الإحصائية الأهم والأكثر رعباً في الكتاب: تُظهر البيانات أن الفئات ذات الدخل المنخفض تقضي وقتاً أطول بنسبة تصل إلى 40% أمام الشاشات (في ترفيه سلبي واستهلاك لمواقع التواصل) مقارنة بالفئات الغنية والمثقفة.

ما الذي يعنيه هذا الرقم؟ يعني أن الفئات الميسورة والمثقفة تستثمر النسبة الأكبر من وقتها الحر في "التكوين"؛ يقرؤون الكتب، يمارسون الرياضة، ينخرطون في دورات تطوير الذات، ويوجهون أبناءهم نحو أنشطة تُنمّي مهاراتهم. هذا الاستثمار يخلق "رأس مال ثقافي واجتماعي" يتراكم ويتضاعف عبر الأجيال، مما يضمن بقاءهم في قمة الهرم الاجتماعي.

في المقابل، تقع الفئات الأقل دخلاً ضحية لـ "استبداد الترفيه" المجاني. تستهلك الشاشات أوقات فراغهم وتسرق انتباههم بالكامل، مما يمنعهم من تطوير مهارات جديدة أو تحسين واقعهم. النتيجة هي توريث التخلف؛ حيث يؤكد الكاتب هذا المعنى بوضوح:


«إن هذا التفاوت في استعمال الوقت صار مُنتِجًا لتفاوت اجتماعي جديد، خفيّ لأنّه لا يُقاس بالدخل. فالفئات التي تحوّل وقتها الحرّ إلى تكوين تراكم مزايا تتضاعف عبر الأجيال، والفئات التي يستهلك الترفيهُ وقتَها تتخلّف تخلّفًا لا يظهر في إحصاءات الأجور.»

(استبداد الترفيه: لا تدعوا أوقات الفراغ تفسد حياتكم وحياة أبنائكم"، أوليفييه بابو، دار بوشيه ـ شاستيل، باريس، 2023)

التوافق المذهل مع الرؤية الإسلامية: "الغبن" الزمني

حين نقرأ هذا التحليل الاقتصادي والإحصائي الدقيق، نجد أنه يتقاطع بشكل مذهل ويؤكد ما حذّر منه الوعي الأخلاقي الإسلامي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. فالإسلام لم ينظر يوماً إلى الوقت على أنه مساحة للعبث المحايد، بل هو رأس مال الإنسان الأوحد الذي يُسأل عن تفاصيل إنفاقه.

القرآن الكريم، في توجيهه التربوي العميق، يرفض فكرة "الاسترخاء العدمي" أو الفراغ السلبي بمجرد انتهاء الإنسان من مهام عمله المهني أو الدنيوي، بل يوجهه فوراً لاستثمار هذا الفراغ في جهد جديد يُغني روحه وعقله ويربطه بخالقه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (سورة الشرح، الآيتان 7-8)

وتتجلى عبقرية التشخيص الإسلامي في حديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، الذي استخدم مصطلحاً اقتصادياً دقيقاً وهو "المغبون". والغبن في التجارة هو أن تبيع شيئاً ثميناً بثمن بخس جداً وتُخدع في الصفقة. يقول (صلى الله عليه وآله): «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.»

(الخصال، الشيخ الصدوق، ص 34)

هذا الحديث يلخص حرفياً ما أثبته أوليفييه بابو بالإحصاءات بعد مئات السنين؛ فالكثير من الناس يتعرضون لـ "غبن" يومي مروع. يبيعون 40 ساعة أسبوعياً من أوقاتهم الثمينة لصناعة الترفيه مقابل متعة لحظية مزيفة، في حين كان بإمكان هذا الوقت أن يصنع منهم شخصيات ناجحة ومؤثرة.


الفراغ مصنع المستقبل

حين تأتي لغة الأرقام والإحصاءات الأوروبية الحديثة لتثبت أن إضاعة الوقت في الترفيه باتت "آلية قاسية لصناعة التخلف الاجتماعي"، فإنها تنقل الموعظة الإسلامية حول أهمية الوقت من إطارها الوعظي المعتاد إلى إطار مادي ملموس ومُقاس بدقة.

إن الآباء والمربين الذين يتركون أبناءهم فريسة لتطبيقات الهاتف الذكي والتصميم الإدماني بحجة "الترفيه وملء الفراغ"، لا يمنحونهم الراحة، بل يسلبونهم فرصتهم الحقيقية في الترقي المعرفي والاجتماعي، ويحكمون عليهم بالبقاء في قاع الهرم الثقافي والطبقي.

الفراغ، لغةً وشرعاً وإحصاءً، ليس وقتاً لقتل الساعات أو الهرب من الذات، بل هو المصنع الحقيقي الذي تُصنع فيه شخصية الإنسان، وتُصقل مواهبه، وتُحدد فيه مكانته في الدنيا والآخرة. ومن يترك هذا الفراغ لتستبده شاشات الترفيه، فقد اختار الخسران طوعاً.

مشاركة: