الشيخ معتصم السيد أحمد
ليس الانتماء في ذاته مشكلة، فالإنسان لا يعيش بلا انتماءات؛ ينتمي إلى أسرة ووطن ومذهب وجماعة فكرية وثقافة وتاريخ، ومن هذه الانتماءات تتكون أجزاء مهمة من هويته. كما أن من الطبيعي أن يحب الإنسان أهله، ويدافع عن جماعته إذا ظُلمت، ويعتز بالمبادئ التي يؤمن بها. لكن المشكلة تبدأ حين يتغير موقع الانتماء في وعينا، فلا يعود شيئاً نعرضه على الحقيقة، بل تصبح الحقيقة نفسها شيئاً نعرضه على الانتماء؛ فنقبل القول لأن صاحبه منا، ونرفضه لأنه صدر من غيرنا، ونبرر الخطأ إذا ارتكبه من نحب، ثم نراه جريمة لا تغتفر إذا صدر من خصومنا.
وهنا لا يعود الانتماء تعبيراً عن الهوية، بل يتحول إلى حجاب يمنع الإنسان من رؤية الأشياء كما هي.
وقد واجه القرآن هذه المشكلة في صور متعددة؛ لأن العصبية لم تكن ظاهرة عابرة في حياة البشر، بل إحدى أكثر الآليات قدرة على تعطيل العقل والضمير. فالقرآن يصور قوماً لا يسألون عن الدليل، وإنما يكفيهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو الطريق الذي يجب أن يستمروا فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، ثم يهدم هذا المنطق بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. فالمشكلة ليست في احترام الآباء، بل في تحويل الانتساب إليهم إلى دليل على صحة ما يقولون.
ويتكرر المنطق نفسه في قوله تعالى عن المترفين الذين واجهوا الأنبياء: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. وكأن القرآن يريد أن يقول إن أخطر لحظة في حياة الإنسان الفكرية هي اللحظة التي يتوقف فيها عن السؤال: «أهذا حق؟» ويستبدله بسؤال: «أهذا ما تقوله جماعتنا؟».
وهذا الخطر لا يخص القبيلة القديمة، بل يمكن أن يتكرر في المذهب والحزب والقومية والتيار الفكري وحتى في الجماعات التي تعتقد أنها تحارب التعصب. فالإنسان يستطيع أن يخرج من عصبية ليدخل في عصبية أخرى، وأن يرفض تقليد آبائه ثم يقلد جماعته الجديدة بالطريقة نفسها. تتغير الأسماء، لكن البنية النفسية تبقى واحدة: نحن دائماً أقرب إلى الصواب، والآخر دائماً موضع ريبة.
ولهذا وضع القرآن معياراً بالغ الصعوبة للعدل حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. فالإيمان لا يُختبر فقط حين نشهد بالحق على خصومنا، فهذا سهل في كثير من الأحيان، وإنما حين يصبح الحق ضد أنفسنا أو أقرب الناس إلينا.
ثم يذهب القرآن أبعد من ذلك؛ فلا يطلب العدل مع من نحب فقط، بل مع من نبغض أيضاً: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. أي لا تجعلوا الكراهية تغير ميزانكم. فالخصومة لا تحول الباطل إلى حق، كما أن المحبة لا تحول الخطأ إلى صواب.
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه الإمام زين العابدين عليه السلام بوضوح شديد حين سُئل عن العصبية، فقال: «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم». (الكافي : 2 / 308)
إن هذه الرواية ترسم الحدود بدقة. الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن قومه أو أن يتنكر لجماعته، ولا يجعل المحبة الطبيعية جريمة. المشكلة تبدأ عندما تتعطل معايير الخير والشر أمام الانتماء؛ فنعرف أن صاحبنا سيئ، لكننا نصر على أنه أفضل من الآخر لمجرد أنه «منا»، أو نعلم أنه ظالم ثم نعينه لأن سقوطه سيحسب خسارة على جماعتنا.
وهنا تصبح العصبية نوعاً من الكذب الجماعي؛ لأن الجميع قد يعرفون الحقيقة، لكنهم يتواطؤون على رواية أخرى تحفظ صورة الجماعة.
ولهذا جاء التحذير شديداً عن الإمام الصادق عليه السلام: «من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه».( الكافي ج2 : 232). وليس المراد أن مجرد الحب والانتماء يخرج الإنسان عن الإيمان، فقد بين الإمام السجاد خلاف ذلك، وإنما الخطر في العصبية التي تجعل الهوى الجماعي مقدماً على الحق.
والغريب أن الإنسان المتعصب نادراً ما يرى نفسه متعصباً. فهو يعتقد أنه يدافع عن الحق، بينما قد يكون الحق عنده قد اندمج بالجماعة إلى درجة لم يعد يستطيع معها الفصل بينهما. فإذا نُقدت جماعته شعر أن دينه تعرض للهجوم، وإذا كُشف خطأ شخصية يحبها اعتبر ذلك استهدافاً للمشروع كله، وإذا اعترف خصمه بحقيقة نافعة رفضها خشية أن يبدو كأنه منح الخصم انتصاراً.
وهكذا تضيع الحقيقة في معركة المواقع.
وقد يقدم الإنسان الدليل نفسه بحماسة إذا كان في صالحه ثم يرفضه إذا استُعمل ضده. ويطالب خصومه بالإنصاف، لكنه يفسر إنصافه لهم ضعفاً. ويطالبهم بالاعتراف بأخطائهم، بينما يبحث لجماعته عن أدق الأعذار. وهذه ليست مشكلة معرفية فقط، بل مشكلة أخلاقية؛ لأن العقل هنا لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل أصبح موظفاً في خدمة الانتماء.
ومن أجمل ما ورد في التراث العلوي في معالجة هذه الحالة أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يطلب من الناس إلغاء كل شعور بالانتماء، بل إعادة توجيهه نحو القيم. ففي الخطبة القاصعة يقول: «فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الافعال، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل، بالأخلاق الرغيبة، والأحلام العظيمة، والاخطار الجليلة، والآثار المحمودة. فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي، والإعظام للقتل، والانصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض .. »
وهذا نقلٌ بالغ الأهمية للانتماء من الأشخاص إلى المبادئ. فبدلاً من أن يكون السؤال: من جماعتك؟ يصبح السؤال: ما القيمة التي تدافع عنها؟ وبدلاً من التعصب للأسماء، يكون الانحياز للعدل والوفاء والإنصاف والإحسان.
بل نجد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام صورة شديدة الدلالة على خطورة أن يجعل الإنسان رأيه معياراً للحقيقة، فعن بريد العجلي، قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام ما أدنى ما يصير به العبد كافرا؟ قال : فأخذ حصاة من الارض فقال: أن يقول لهذه الحصاة أنها نواة ويبرأ ممن خالفه على ذلك: ويدين الله بالبراءة ممن قال بغير قوله..» (بحار الانوار ج2: 302)
فالمشكلة ليست في الحصاة والنواة، وإنما في أن يجعل الإنسان قوله هو الأصل، ثم يبني الولاء والبراءة على موافقة الناس له.
وهذا النموذج يتكرر أكثر مما نتصور. فقد يبدأ الخلاف في مسألة سياسية أو فكرية أو اجتماعية قابلة للنقاش، ثم تتحول مع الوقت إلى امتحان للولاء: من وافقنا فهو معنا، ومن خالفنا أصبح مشكوكاً فيه. ومع استمرار هذه العقلية تضيق مساحة التفكير داخل الجماعة نفسها، لأن كل نقد يصبح خيانة، وكل مراجعة تراجعاً، وكل اعتراف بخطأ الخصم انتصاراً له.
وهنا تخسر الجماعات قدرتها على تصحيح نفسها. فالخصم يستطيع أحياناً أن يرى فيك عيباً لا يراه الصديق، والمخالف قد ينبهك إلى مشكلة لم ينتبه إليها أهل جماعتك. فإذا أغلق الإنسان أذنه لمجرد هوية المتحدث، فقد حرم نفسه من فرصة المعرفة.
ولذلك فإن الانتصار للحقيقة يحتاج إلى شجاعة تختلف عن شجاعة الخصومة. من السهل أن تكشف خطأ خصمك، لكن الأصعب أن تكتشف خطأ جماعتك ثم تعترف به. ومن السهل أن تحتج بنص يؤيدك، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يقف النص ضد مصلحتك. ومن السهل أن تطالب الآخرين بالعدل، لكن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يبدأ حين تصبح أنت الطرف الذي سيدفع ثمن الإنصاف.
ولا يعني ذلك أن يصبح الإنسان بلا هوية أو بلا ولاء. الإسلام نفسه يبني انتماءات واضحة، لكنه يجعلها انتماءات إلى الحق، لا بدائل عنه. حتى الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام لا يمنح الإنسان حصانة أخلاقية لمجرد الادعاء؛ فقد كان الأئمة يريدون من شيعتهم أن يكونوا زيناً لهم بأفعالهم، لا أن يجعلوا اسم أهل البيت غطاءً لأخطائهم.
ولهذا فإن المجتمع الذي يريد أن يتخلص من العصبية لا يحتاج إلى إلغاء اختلافاته، بل إلى بناء معيار أعلى منها. يمكن أن نبقى مختلفين في المذهب والسياسة والفكر، لكننا نتفق أن الكذب كذب ولو صدر من فريقنا، والظلم ظلم ولو وقع لمصلحتنا، والحق حق ولو نطق به من نختلف معه.
إن أخطر ما تصنعه العصبية أنها تمنح الإنسان راحة نفسية كاذبة؛ تعفيه من التفكير، لأن جماعته تفكر عنه، ومن المحاسبة، لأن أخطاءه تصبح مبررة، ومن الإنصاف، لأن الخصم يصبح متهماً قبل أن يتكلم.
أما الإيمان الذي يريده القرآن فهو أكثر كلفة: أن تحب من تنتمي إليهم، لكنك لا تعينهم على الظلم؛ وأن تختلف مع الآخرين، لكنك لا تمنعهم حقهم؛ وأن تتمسك بعقيدتك، لكنك لا تحتاج إلى الكذب على نفسك كي تثبت صحتها.
وفي المحصلة، لا يكون الانتماء خطراً حين يمنح الإنسان هوية وذاكرة ومسؤولية، وإنما حين يطلب منه أن يطفئ عقله وضميره. فالحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة لأن صاحبها من جماعتنا، ولا تفقد قيمتها لأن قائلها من خصومنا.
وحين يرتقي الإنسان إلى هذه الدرجة من الإنصاف، يصبح انتماؤه أقوى لا أضعف؛ لأنه لم يعد يحتاج إلى حماية جماعته بالباطل، ولا إلى تشويه الآخرين حتى يثبت نفسه. عندها لا يكون ولاؤه للأشخاص على حساب الحق، بل يصبح الحق هو المعيار الذي يحدد قيمة الأشخاص والمواقف والانتماءات.
وهذا ربما يكون من أصعب امتحانات التدين: أن يبقى الإنسان مع الحقيقة حتى حين لا تكون الحقيقة في صفه.