الشيخ معتصم السيد أحمد
ليست المشكلة الكبرى التي واجهت المسلمين خلال العقود الماضية أنهم كانوا أضعف من القوى التي تحيط بهم فحسب، بل إنهم عاشوا زمناً طويلاً وهم يعتقدون أن العالم قد اكتمل من دونهم، وأن قواعده قد كُتبت نهائياً، وأن دورهم لا يتجاوز التكيف مع نظام صنعه الآخرون، والدخول في مؤسساته، والبحث عن أفضل موقع ممكن داخله. ولذلك كان الشعور بالعجز أعمق من العجز نفسه؛ لأن الأمة التي تفقد قدرتها على تخيل مستقبل مختلف تصبح أسيرة للحاضر حتى لو كانت تمتلك كثيراً من عناصر القوة.
لكن العالم الذي نراه اليوم لم يعد هو العالم الذي ترسخت صورته بعد نهاية الحرب الباردة. فالكثير من المسلمات التي بدت ثابتة بدأت تهتز، ومراكز القوة تتعدد، والاقتصاد العالمي يواجه تحولات عميقة، ومفهوم الأمن نفسه يتغير، ولم تعد القوة العسكرية وحدها قادرة على ضمان النتائج التي تريدها الدول الكبرى.
وقد جاءت الحرب الإيرانية ـ الأميركية الأخيرة لتكشف جانباً مهماً من هذه التحولات. وليس المقصود هنا الدخول في حسابات المنتصر والمهزوم، فالحرب لم تغلق سياسياً حتى الآن، وما زالت المفاوضات حول نهاية دائمة لها متعثرة، كما أن كلفتها الإنسانية والاقتصادية أصابت شعوباً ودولاً كثيرة في المنطقة. لكن ما أصبح واضحاً أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة تستطيع قوة خارجية أن تتحرك فيها من دون أن تدفع ثمناً واسعاً، وأن اضطراب منطقة واحدة فيه قادر على الوصول سريعاً إلى الطاقة والتجارة والأسعار وسلاسل الإمداد في العالم كله.
وهذا التحول مهم في بناء الوعي، لا لأنه يعني أن المسلمين أصبحوا فجأة القوة المهيمنة في العالم، ولا لأن عصر القوى الكبرى قد انتهى، بل لأنه يسقط فكرة أكثر خطورة: أن موازين التاريخ جامدة، وأن الطرف القوي سيظل قوياً إلى الأبد، وأن الشعوب التي خرجت من دائرة الفعل لا تستطيع العودة إليها.
التاريخ لا يسير بهذه الطريقة. فالقوى تصعد وتهبط، والتحالفات تتغير، والاقتصاد يعيد تشكيل السياسة، والتكنولوجيا تنقل عناصر القوة من مجال إلى آخر، وما كان مستحيلاً في زمن قد يصبح ممكناً في زمن آخر. المشكلة إذن ليست أن المستقبل مغلق، بل أن من لا يستعد للحظة التحول قد يكتشف أن العالم تغير من حوله بينما بقي هو في المكان نفسه.
وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ السؤال الإسلامي الجديد: هل نحن أمام فرصة حقيقية لاستعادة موقع المسلمين في صناعة المستقبل، أم أننا سنكتفي بمشاهدة اهتزاز النظام القديم ثم نترك غيرنا يبني النظام الذي سيخلفه؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نفسر التحولات الجارية تفسيراً عاطفياً. فقد يستيقظ الشعور بالعزة بعد مواجهة عسكرية، أو ترتفع المعنويات بسبب تراجع هيبة قوة كبرى، لكن الحضارات لا تُبنى بارتفاع المعنويات وحده. فالشعور بالقوة مهم؛ لأنه يخرج الإنسان من اليأس، لكنه إن لم يتحول إلى مشروع معرفة واقتصاد وتنظيم وإنتاج، فقد ينتهي كما بدأ: موجة نفسية قوية ثم تراجع طويل.
ولذلك فإن أهم ما ينبغي أن نتعلمه من هذه المرحلة هو أن الأمة الإسلامية ليست فقيرة في الإمكانات بقدر فقرها في القدرة على جمع هذه الإمكانات داخل مشروع مشترك. فالعالم الإسلامي يمتلك مواقع جغرافية بالغة الأهمية، وموارد ضخمة، وأسواقاً كبيرة، ومجتمعات شابة، وتجارب متنوعة في الصناعة والمال والتكنولوجيا والطاقة. وحتى اقتصادياً، تظهر بيانات منظمة التعاون الإسلامي أن اقتصادات دولها حققت في السنوات الأخيرة نمواً أعلى من المتوسط العالمي في بعض الفترات، مع بقاء فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة ومستوى التكامل والإنتاجية الفعلية.
وهذا يعني أن الحديث عن مستقبل إسلامي أفضل ليس حلماً رومانسياً بلا أساس، لكنه أيضاً ليس قدراً سيقع من تلقاء نفسه.
فالنفط وحده لا يصنع نهضة، وكثرة السكان لا تصنع قوة، والموقع الجغرافي لا يتحول آلياً إلى نفوذ. كل هذه تتحول إلى عناصر قوة حين تدخل في منظومة من العلم والإدارة والإنتاج والاستقلال في القرار. أما إذا بقيت متفرقة، فقد تتحول الثروة نفسها إلى سبب للتدخل، ويتحول الموقع المهم إلى ساحة صراع، ويتحول العدد الكبير إلى سوق استهلاكية لمنتجات الآخرين.
ومن هنا فإن المعركة القادمة في العالم الإسلامي ليست معركة السلاح وحدها، بل معركة الانتقال من امتلاك الموارد إلى امتلاك القدرة على توظيفها.
لقد كشفت الحروب الأخيرة مثلاً أن الاقتصاد ليس هامشاً خلف المعركة، بل جزء من صميم الأمن القومي. فعندما اضطربت طرق الطاقة في الخليج، تحركت الأسعار والأسواق والنقل والصناعة في أنحاء بعيدة من العالم، وأعاد كثير من الدول التفكير في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذه التجربة ينبغي ألا تقرأ فقط باعتبارها دليلاً على أهمية النفط، بل باعتبارها تنبيهاً إلى ضرورة بناء اقتصاد إسلامي أكثر ترابطاً وأقل هشاشة.
فلماذا تبقى التجارة بين كثير من البلدان الإسلامية دون مستوى الإمكانات الحقيقية؟ ولماذا تستورد دولة إسلامية ما تستطيع دولة إسلامية أخرى إنتاجه؟ ولماذا لا تتحول الجامعات والصناعات والموانئ والاستثمارات ورؤوس الأموال إلى شبكة مصالح تجعل التعاون ضرورة اقتصادية، لا مجرد خطاب سياسي في المؤتمرات؟
حتى المؤسسات التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي ما زالت تشير إلى وجود اختناقات في النقل والربط اللوجستي تحد من التجارة والتكامل بين دول المنظمة. وهذا يكشف أن جانباً مهماً من مستقبل المسلمين لن يصنعه الخطباء ولا الجيوش، بل المهندس الذي يربط الموانئ، والعالم الذي ينتج المعرفة، ورجل الأعمال الذي يبني الصناعة، والجامعة التي تحول البحث إلى تقنية، والدولة التي ترى في جيرانها شركاء في التنمية لا مجرد أطراف في الصراع.
كما أن اللحظة الجديدة تحتاج إلى مراجعة مفهوم القوة نفسه. فقد اعتادت ثقافتنا السياسية أن تختزل القوة في السلاح، بينما أظهرت التجارب المعاصرة أن القوة شبكة واسعة: غذاء وطاقة وتكنولوجيا ومعلومة وإعلام وعملة وصناعة ودواء وذكاء اصطناعي وقدرة على حماية المجتمع من الانهيار عند الأزمات.
وقد تمتلك الدولة صواريخ متطورة، لكنها تبقى ضعيفة إذا كان غذاؤها ودواؤها وتقنيتها الأساسية بيد الآخرين. وقد تمتلك ثروة هائلة، لكنها تبقى محدودة الإرادة إذا كان اقتصادها عاجزاً عن العمل خارج منظومات لا تتحكم فيها.
والاستقلال في القرن الحادي والعشرين ليس أن تقطع الأمة علاقاتها بالعالم؛ فهذا مستحيل وغير مطلوب، بل أن تدخل العلاقات الدولية وهي تملك بدائل. فالتبعية الحقيقية تبدأ حين لا يكون أمام الدولة إلا باب واحد، ومورد واحد، وحليف واحد، وسوق واحدة، ومصدر واحد للتكنولوجيا.
ومن هنا يفتح تعدد مراكز القوة في العالم نافذة مهمة أمام المسلمين. ففي العالم الذي تتوزع فيه القوة، تتسع مساحة الحركة أمام الدول المتوسطة إذا أحسنت إدارة علاقاتها. وليس المطلوب استبدال التبعية للغرب بالتبعية للشرق، ولا الخروج من محور للدخول في محور آخر، بل بناء استقلال يسمح بالتعاون مع الجميع من موقع المصلحة والندية.
لكن التحول الأكبر الذي نحتاج إليه ليس سياسياً ولا اقتصادياً فقط، بل نفسي وثقافي أيضاً.
لقد ترسخت في قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية خلال عقود فكرة أن التقدم يأتي دائماً من الخارج، وأن المسلم يمكنه أن يكون مستهلكاً جيداً للحضارة لكنه لا يستطيع أن يكون شريكاً في صناعتها. وهذه الفكرة أخطر من الفقر؛ لأن الفقير يمكن أن يصبح غنياً، لكن الإنسان الذي يقتنع بعجزه قد لا يحاول أصلاً.
ولهذا فإن ما يمكن أن نسميه عودة الروح إلى بعض الشعوب الإسلامية ينبغي أن يُفهم بعناية. عودة الروح ليست أن نشعر أننا نستطيع إيذاء خصومنا، بل أن نستعيد الثقة بقدرتنا على بناء أنفسنا. وليست العزة أن نفرح بخسارة الآخر، بل أن نمتلك ما يجعل مستقبلنا غير مرهون بإرادته.
فالنهضة لا تبدأ بسؤال: كيف نهزم الآخرين؟ بل بسؤال: كيف نصبح أمة لا يستطيع الآخرون تجاوزها؟
وهذا الفرق بالغ الأهمية؛ لأن الأمة التي تجعل خصمها مركز مشروعها ستظل مرتبطة به حتى وهي تقاومه. أما الأمة التي تجعل بناء نفسها مركز مشروعها، فإنها تغير موازين القوة من دون أن تجعل الحرب غايتها الدائمة.
ومن هنا فإن المستقبل الإسلامي المشرق لا ينبغي أن نتصوره إمبراطورية جديدة تنازع الآخرين على السيطرة، بل فضاءً حضارياً يستعيد فيه المسلمون قدرتهم على إنتاج العلم والاقتصاد والقيم والنماذج الإنسانية. فالعالم لا يحتاج إلى قوة جديدة تكرر أخطاء القوى القديمة، وإنما يحتاج إلى نموذج يستطيع أن يجمع بين التقدم والعدالة، وبين التقنية والأخلاق، وبين القوة والمسؤولية.
وهنا يملك الإسلام شيئاً مهماً يمكن أن يقدمه. فالأزمة التي يعيشها العالم ليست أزمة إنتاج فقط، بل أزمة معنى أيضاً. لقد استطاعت الحضارة المعاصرة أن تحقق تقدماً تقنياً مذهلاً، لكنها لم تستطع أن تمنع الحروب، ولا أن تحقق عدالة في توزيع الثروة، ولا أن تمنح الإنسان جواباً نهائياً عن الغاية من وجوده.
وإذا أراد المسلمون أن يكونوا جزءاً من المستقبل، فلن يكفي أن يقلدوا النموذج القائم بكفاءة أكبر، بل ينبغي أن يضيفوا إليه شيئاً من رؤيتهم للإنسان والعدل والمسؤولية.
لكن ذلك كله يبدأ من الداخل. فلا مستقبل لأمة تستنزف طاقتها في صراعاتها المذهبية والقومية، ولا لمجتمعات تجعل الاختلاف السياسي سبباً لإلغاء بعضها بعضاً، ولا لدول تنفق على نزاعاتها أكثر مما تنفق على عقول أبنائها.
وقد يكون أهم ما تمنحه التحولات الراهنة للمسلمين هو فرصة إعادة ترتيب العدو والصديق والأولوية. فليس كل اختلاف داخلي معركة وجود، وليس كل تنوع تهديداً للوحدة، وليست الوحدة أن يصبح الجميع نسخة واحدة. الأمة القوية هي التي تدير اختلافاتها داخل مساحة مشتركة من المصالح الكبرى.
لسنا إذن أمام نهاية للتاريخ، ولا أمام بداية عصر إسلامي مضمون النتائج. نحن أمام لحظة سيولة تاريخية، تتراجع فيها يقينيات قديمة ولم تستقر بعد يقينيات جديدة. والحرب الإيرانية ـ الأميركية، واضطراب الاقتصاد العالمي، وتعدد مراكز القوة، والتحولات في الطاقة والتكنولوجيا، كلها إشارات إلى عالم يعيد ترتيب نفسه، لا إلى عالم وصل إلى صورته النهائية. وحتى الآن ما زالت التداعيات الاقتصادية للحرب ثقيلة، والنمو الإقليمي عرضة لمخاطر كبيرة، وهو ما يجعل التفاؤل الواقعي مختلفاً تماماً عن تجاهل الأزمات.
لكن التاريخ في لحظات السيولة يعطي فرصاً لمن يمتلك الرؤية.
وما يحتاج إليه المسلمون اليوم ليس انتظار معجزة سياسية، بل التحرر من الفكرة التي تقول إن دورهم قد انتهى. فالسنن لا تعرف أمة كتب لها التفوق الأبدي، ولا أمة حكم عليها بالتأخر الأبدي. وإنما تتقدم الأمم حين تتعلم وتنتج وتنظم قواها وتراجع أخطاءها وتعرف ما تريد.
لهذا يمكن أن ننظر إلى المستقبل بأمل، لا لأن الطريق أصبح سهلاً، بل لأن الطريق أصبح مفتوحاً من جديد.
والمستقبل المشرق الذي نرجوه لن يأتي لأن قوة كبرى ضعفت، ولا لأن حرباً انتهت لمصلحتنا، وإنما حين نكتشف أن تغير العالم منحنا فرصة، وأن مسؤوليتنا هي ألا نهدرها.
فعندما تتحول الثقة إلى علم، والعاطفة إلى مشروع، والثروة إلى إنتاج، والاختلاف إلى تنوع، والتعاون بين المسلمين من شعار إلى شبكة مصالح ومعرفة؛ عندها فقط يمكن أن نقول إن الأمة لم تستيقظ لتشاهد عالماً جديداً، بل استيقظت لتشارك في صناعته.