الشيخ معتصم السيد أحمد
يُنظر إلى عيد الغدير في الوعي الإسلامي الشيعي بوصفه مناسبة دينية كبرى ترتبط بإعلان ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، غير أن اختزال الغدير في كونه حدثاً تاريخياً أو مناسبة احتفالية يفوّت جانباً مهماً من دلالاته الفكرية والحضارية. فالغدير لا يطرح سؤالاً يتعلق بشخص الإمام علي عليه السلام فحسب، وإنما يثير سؤالاً أعمق يتصل بمصير الرسالة نفسها بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، وبالطريقة التي تحفظ بها الأمم هويتها ومبادئها ومشروعها الحضاري عبر الزمن.
عندما نتأمل في تجارب الأمم والشعوب نجد أن تأسيس المبادئ ليس هو التحدي الوحيد الذي تواجهه المجتمعات، بل إن التحدي الأكبر غالباً ما يبدأ بعد نجاح مرحلة التأسيس. فكم من فكرة عظيمة أضاءت عقول الناس في مرحلة من المراحل ثم تعرضت للتحريف أو التمييع أو الضياع بعد غياب أصحابها. وكم من مشروع إصلاحي بدأ قوياً ومؤثراً ثم فقد روحه تدريجياً بسبب غياب القيادة القادرة على صيانته وحمايته من الانحراف. ولذلك فإن التاريخ يعلمنا أن المشكلة ليست دائماً في ولادة الفكرة، بل في ضمان استمرارها.
ومن هنا يمكن فهم الغدير في سياق أوسع من الجدل التاريخي أو الخلاف المذهبي. فالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن مجرد قائد سياسي أسس دولة في الجزيرة العربية، بل كان صاحب مشروع رسالي هدفه بناء الإنسان وصناعة أمة تحمل رسالة التوحيد والعدل والقيم الأخلاقية إلى العالم. وبعد أن اكتمل بناء هذا المشروع برز سؤال طبيعي وحتمي: كيف سيستمر هذا المشروع بعد رحيل مؤسسه؟ ومن الذي سيتولى مسؤولية حفظه وتفسيره وحمايته من عوامل التشتت والانقسام؟
إن هذا السؤال ليس سؤالاً خاصاً بالإسلام وحده، بل هو سؤال رافق جميع التجارب الإنسانية الكبرى. فكل مشروع حضاري يحتاج إلى آليات تضمن استمراره، وإلى مرجعية تحافظ على هويته الأصلية. ولذلك لا يمكن النظر إلى حادثة الغدير بوصفها قضية سياسية عابرة، بل بوصفها جزءاً من الإجابة الإسلامية عن سؤال الاستمرارية التاريخية للرسالة.
ولعل من أهم ما يكشفه الغدير أن المبادئ المجردة لا تكفي وحدها لصناعة الأمة. فالكتب والقوانين والنصوص على أهميتها تحتاج دائماً إلى من يجسدها في الواقع ويحولها إلى نموذج حي يقتدي به الناس. ولهذا لم يكن القرآن الكريم مجرد كتاب أحكام، بل جاء مقروناً بالنموذج النبوي الذي جسد تعاليمه في الحياة. فالناس لا يتعلمون من النصوص وحدها، بل يتعلمون أيضاً من القدوة والتجربة الحية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحاجة إلى القيادة في المشروع الإسلامي. فالقيادة ليست مجرد إدارة للشأن العام، وليست مجرد سلطة سياسية، وإنما هي مسؤولية الحفاظ على الاتجاه الصحيح للأمة. ولهذا نجد أن القرآن الكريم عندما تحدث عن الإمامة لم يربطها بالقوة أو النفوذ أو الغلبة، بل ربطها بالهداية: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾. فجوهر القيادة في المنطق القرآني هو الهداية قبل أي شيء آخر.
إن واحدة من أهم المشكلات التي تواجه المجتمعات عبر التاريخ هي الخلط بين السلطة والهداية. فقد يمتلك الإنسان السلطة لكنه لا يمتلك البصيرة، وقد ينجح في إدارة شؤون الناس لكنه لا يستطيع أن يحفظ القيم التي يقوم عليها المجتمع. ولذلك فإن القرآن الكريم لا ينظر إلى القيادة باعتبارها امتيازاً، بل باعتبارها أمانة ومسؤولية ثقيلة تتطلب علماً وحكمة وتقوى واستعداداً للتضحية.
ومن هنا تبرز قيمة الإمام علي عليه السلام في الوعي الإسلامي. فالمسألة لا تتعلق بقرابة من النبي صلى الله عليه وآله، ولا بمجرد سبق في الإسلام، وإنما تتعلق بشخصية اجتمعت فيها عناصر العلم والشجاعة والعدالة والزهد والبصيرة والالتزام الكامل بقيم الرسالة. ولهذا كان الغدير إعلاناً عن نموذج للقيادة قبل أن يكون إعلاناً عن شخص بعينه.
وعندما نقرأ التاريخ الإسلامي بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله ندرك أن سؤال القيادة لم يكن سؤالاً هامشياً كما يتصور البعض، بل كان من أكثر الأسئلة تأثيراً في تشكيل مسار الأمة. فالكثير من التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي عرفها العالم الإسلامي كانت مرتبطة بطريقة الإجابة عن هذا السؤال. ولذلك فإن الغدير لم يكن حدثاً عابراً انتهى بانتهاء يومه، بل أصبح جزءاً من الوعي الإسلامي الممتد عبر القرون.
غير أن القيمة الحقيقية للغدير لا تكمن في استحضار الماضي فحسب، بل في قدرته على إضاءة الحاضر أيضاً. فنحن نعيش اليوم في عالم يواجه أزمة قيادة على مستويات متعددة. فالمجتمعات الحديثة تمتلك كماً هائلاً من المعرفة والمعلومات والتقنيات، لكنها تعاني في كثير من الأحيان من غياب البوصلة الأخلاقية التي توجه هذه المعرفة. وأصبحت الإنسانية أكثر قدرة على السيطرة على الطبيعة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في السيطرة على نزعات الهيمنة والطمع والعنف.
وفي هذا السياق يكتسب الغدير معنى جديداً. فهو يذكرنا بأن التقدم المادي وحده لا يكفي لبناء مجتمع متوازن، وأن القوة وحدها لا تصنع الشرعية، وأن النجاح الاقتصادي لا يغني عن الحاجة إلى القيم. فالمجتمعات تحتاج دائماً إلى مرجعيات أخلاقية وفكرية تحميها من الانحراف، كما تحتاج إلى نماذج قيادية تجعل القيم حاضرة في الواقع لا مجرد شعارات ترفع في المناسبات.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر اليوم هو أزمة الوعي. فالكثير من الناس لم يعودوا يختارون أفكارهم بأنفسهم، بل تتشكل قناعاتهم عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل والمنظومات الثقافية والاقتصادية الضخمة التي توجه الرأي العام. ومن هنا يصبح السؤال الذي يطرحه الغدير أكثر راهنية من أي وقت مضى: من يقود وعينا؟ ومن أين نستمد معاييرنا؟ ومن الذي نثق بأنه يحمل القيم التي نؤمن بها لا المصالح التي يسعى إليها؟
إن الغدير في جوهره دعوة إلى البحث عن القيادة التي تهدي ولا تضل، وتبني ولا تهدم، وتحفظ المبادئ ولا تتاجر بها. وهو يذكرنا بأن الحق لا يقاس دائماً بموازين القوة والعدد، بل بمدى انسجامه مع قيم العدل والصدق والكرامة الإنسانية التي جاءت بها الرسالات الإلهية.
ولهذا فإن الاحتفال بعيد الغدير لا ينبغي أن يقتصر على استذكار حادثة تاريخية أو التعبير عن الانتماء المذهبي، بل ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للتأمل في معنى القيادة، ومعنى المسؤولية، ومعنى الالتزام بالمبادئ. فالغدير ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل رسالة متجددة لكل جيل بأن الأمم لا تُبنى بالمبادئ وحدها، كما أنها لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى عندما تلتقي المبادئ الصادقة بالقيادة الواعية القادرة على تجسيدها في الواقع.
ومن هنا يبقى الغدير حدثاً حياً يتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنه يعبر عن حاجة إنسانية دائمة: الحاجة إلى منارات تهدي الطريق عندما تشتد الحيرة، وإلى نماذج تجسد القيم عندما تكثر الشعارات، وإلى قيادة تحفظ الرسالة عندما تتعرض رياح التاريخ لمحاولة اقتلاعها من جذورها.